وظائف المستقبل في الإعلام الرقمي: كيف يتحول "قلق الآباء" إلى طاقة نجاح لأبنائهم؟




 بقلم: د. أماني شوقي

في كل بيت عربي اليوم، يدور ذات الحوار الصامت والمحمل بالقلق؛ يقف الآباء حائرين أمام شاشات هواتف أبنائهم، يتساءلون بنبرة يملؤها الخوف المشروّع: "هل يمكن لهذه المنصات الرقمية، والفيديوهات، والكلمات المقتضبة أن تصنع مستقبلاً مهنياً آمناً؟ أم أن أبناءنا يهدرون طاقاتهم في فضاء افتراضي لا يضمن غداً؟".

هذا الخوف، الذي يعيشه ملايين الآباء والأمهات على مستقبل أبنائهم في سوق العمل، يواجهه في المقابل حراكٌ اقتصادي ورقمي هائل يعيد تشكيل مفهوم "الوظيفة" في العالم العربي. فلم تعد المهن التقليدية هي البوابة الوحيدة للأمان المالي والتميز المهني؛ بل برز "الاقتصاد الإبداعي" وقطاع "الإعلام الرقمي" كواحد من أكبر القطاعات الجاذبة للاستثمارات والموفرة لفرص العمل العابرة للحدود. والتحول الإيجابي الحاصل اليوم يشير إلى أن ما يراه الآباء تخصصات غامضة، تحول في الواقع إلى وظائف استراتيجية خلف الكواليس تطلبها كبرى الشركات؛ كصياغة الاستراتيجيات الرقمية، بناء الهوية المؤسسية، هندسة السرد القصصي، وإدارة السمعة والاتصال المؤسسي لحل الأزمات.

وفي هذا السياق، تقدم المستشارة الإعلامية والمتخصصة في صياغة الاستراتيجيات وصناعة المحتوى، الأستاذة أماني العطاس، رؤية عميقة تجمع بين تفهم قلق الأهل واستيعاب متطلبات العصر. وترى العطاس أن قلق الآباء هو قلق طبيعي ومحمود وناتج عن فجوة جيلية بين عصرين، لكن الحل لا يكمن أبداً في كبح جماح الأبناء، بل في تنظيم هذا الشغف الرقمي وصقله بالاحترافية.

وتؤكد الأستاذة أماني العطاس في رؤيتها لطمأنة الأسر:

"إن ما يحتاجه أبناؤنا اليوم ليس مجرد إتقان أدوات التكنولوجيا أو مهارات النشر السريع، بل يحتاجون إلى تطعيم هذا الشغف الرقمي بالعمق الثقافي والرصانة المهنية. عندما يمتلك الشاب العربي مهارة صياغة الفكرة بذكاء وعمق، ويصقلها بالتدريب والاستشارة الصحيحة، فإنه لا يعود مجرد مستهلك للمحتوى، بل يصبح 'مهندس استراتيجيات إعلامية' تقصده المؤسسات الكبرى. هذا هو الأمان المهني الحقيقي الذي يجب أن نساعدهم على بنائه لتهدئة مخاوف الآباء".

 أن سوق العمل المعاصر لم يعد يبحث عن مجرد "مؤثرين" عابرين، بل يتطلع إلى صناع محتوى يملكون خلفية فكرية وثقافية قادرة على بناء القوة الناعمة للمؤسسات، وهي مهارات لينة تعتمد على الابتكار وفهم سيكولوجية الجماهير، مما يجعلها عصية على الاستبدال حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.

أن رسالة الطمأنينة الحقيقية التي يوجهها الخبراء للآباء اليوم هي: لا تخافوا على أبنائكم من فضاء الإعلام الرقمي، بل وجهوهم نحو الاحترافية والعمق فيه. فالتوجيه الصحيح وصناعة المحتوى ذي القيمة هو الذي سيحول هذا الشغف إلى مهنة مرموقة ومستقبل مستدام يفتخر به الآباء قبل الأبناء.

ليست هناك تعليقات