الخوارزميات وتحقيق المناط

 

توظيف النماذج اللغوية الكبيرة في تحليل المرويات الفقهية واستخلاص العلل الأصولية لحدث المولد الشريف


بقلم الدكتور: محمد البيومي  الأمين العام لمجلس الشئون الإسلامية 




في سكون الأزل الممتد حيث تتلاشى تعينات الماهيات الممكنة في سطوة أصالة الوجود، وحيث تقف العقول البشرية خاشعة كليلة أمام فيض النور المحمدي، انشق فجر التاريخ البشري عن الحدث الأتم؛ ميلاد الإنسان الكامل الذي تكيفت به الحركة الجوهرية للكون صعوداً نحو غايتها القصوى، وتجلت فيه حقائق الأسماء والصفات في قوس النزول الإلهي لتربط الأرض بالسماء في وحدة شهودية لا انفصام لها. هذا الميلاد الشريف، الذي زلزل إيوان الكسرويات المادية وأطفأ نيران الشرك الأنطولوجي في قلوب أضناها القلق والاغتراب الوجودي، لم يكن مجرد ومضة زمنية عابرة في صحراء العرب، بل كان انبثاقاً للعلة الغائية التي لأجلها دارت الأفلاك، وتأسيساً لدستور الأخلاق الذي أخرج الإنسانية من دياجير الغفلة إلى أزهار اليقين. وإذا كان العقل الأصولي الإسلامي، بعبقريته المنطقية الدقيقة التي شيدها النظار والفقهاء، قد انبرى عبر القرون المتعاقبة لممارسة "تحقيق المناط" في استنباط الأحكام واستخلاص العلل من مرويات هذا الحدث الكوني، فإن إنسان الحداثة المتأخرة، الغارق في ماديته وتقنياته، قد ألقى في ساحة التداول المعرفي بآلة حاسوبية مهولة؛ هي "النماذج اللغوية الكبيرة" المتكئة على خوارزميات الذكاء الاصطناعي، لتتصدى، بشراهة استقرائية عمياء، لقراءة تراثنا وتفكيك نصوصنا. وهنا يبرز التساؤل الفلسفي والفقهي المهيب، الذي تتصادم فيه دقة البرهان الآلي مع رقة الوجدان الإنساني: هل تستطيع الخوارزمية، وهي نتاج منطق رياضي كمي محض، أن تمارس "تخريج المناط" بموضوعية في مرويات المولد الشريف، أم أنها تقف عند حدود المحاكاة اللفظية الخاوية من روح الائتمان؟

​ولكي نُسقط هذا التنظير الأصولي المجرد على بساط النماذج التطبيقية الحية، نعمد لاختبار قدرة الآلة في أولى مراتب الاستنباط، ألا وهي مرتبة "تحقيق المناط". فلو ألقينا في روع هذه النماذج اللغوية الكبيرة نصاً نبوياً صريحاً، كحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه حين سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صيام يوم الاثنين، فقال مجيباً: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل علي فيه"()، وطلبنا من الخوارزمية استخراج العلة الأصولية الكامنة فيه لمشروعية الاحتفاء؛ لشرعت الآلة في أجزاء من المليار من الثانية بمسح ملايين البيانات من شروح الأحاديث ومدونات الأصول. وعبر احتمالات جافة، ستقوم الآلة بربط هذا النص بحديث صيام عاشوراء شكراً لنجاة موسى عليه السلام، لتستخرج لنا ببيان آلي متقن أن العلة هنا هي "شكر المنعم على تجدد النعمة العظمى بميلاد الهادي"، محاكيةً في ذلك حرفياً الاستنباط العبقري الذي صاغه الحافظ ابن حجر العسقلاني.

إن الآلة في هذا النموذج تقيس الاحتمالات اللفظية لتبني قياساً أصولياً يبدو في ظاهره دقيقاً ومحكماً، غير أنها في جوهرها الأنطولوجي لم تفهم يوماً معنى "الشكر"، ولم تذق حلاوة "النعمة"، ولم يختلج في دوائرها الكهربائية نبض من محبة؛ بل مارست محاكاة جوفاء تفتقر إلى "القصد"، والقصد هو سر التكليف وروح الشريعة.

​وإذا ما ارتقينا مع الآلة خطوة أخرى في سلم الأصول نحو مرقاة "تنقيح المناط"، وهو مسلك تخليص العلة المؤثرة من الأوصاف الطردية العابرة التي لا أثر لها في الحكم، تتجلى لنا صورة تطبيقية أخرى أكثر تعقيداً. فلو طرحنا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي المدونات التاريخية التي تصف الاحتفالات في العصرين الفاطمي والمملوكي، وما زخرت به من مظاهر الزينة، ومواكب الطبول، وصناعة الحلوى الفاخرة، والسجالات الفقهية المحتدمة حولها، لبرهنت الآلة على قدرة استقرائية مهولة؛ إذ تستطيع بآليات الفرز الاحتمالي أن تعزل هذه المظاهر المرتبطة بأعراف الأزمان وتصنفها أصولياً كـ "أوصاف طردية" لا يبنى عليها حكم التحريم المطلق أو الوجوب المطلق. ثم تقوم الآلة بإبقاء الوصف المؤثر المجرد المتمثل في "الاجتماع على تلاوة السيرة، وإطعام الطعام، وإنشاد المدائح النبوية"، لتستنتج بناءً على ذلك جواز الأصل واستحسانه، مع رد الملحقات المخالفة للشرع. إن هذا النموذج التطبيقي الثاني يثبت بوضوح أن الآلة تتقن قشرة الفقه وتبرع في هيكلة الدليل وتصفيته بمنطق رياضي بحت، لكنها تعجز عجزاً جوهرياً عن إدراك الروح التي تسري في تلك الاجتماعات، لأنها تتعامل مع مفردة "الإطعام" ككلمة مفتاحية تقابلها دلالات معجمية، لا كفعل إنساني ينبع من رحمة المهجة وسخاء النفس المتشربة بأخلاق النبوة.

​أما الطامة الكبرى والفجوة الفلسفية الأعمق، فتتجلى بوضوح صارخ عند محطة "تحقيق المناط"، وهو تنزيل الحكم الكلي المقطوع به على الواقع الجزئي المعاش المتغير.

ولنأخذ نموذجاً تطبيقياً حياً: فلو أدخلنا في حاسوب الآلة وصفاً دقيقاً لمجلس من مجالس القاهرة العامرة بذكر الله في زماننا هذا، تُتلى فيه "بردة" البوصيري و"همزية" شوقي، وتصدح فيه الحناجر بنفائس الأدب في مدح خير البرية، وتخفق فيه القلوب بالمحبة في بيئة آمنة تراعى فيها الآداب الشرعية، وسألناها عن الحكم الفقهي؛ لأجابت الآلة فوراً باستدعاء قواعد "المصلحة المرسلة" أو "البدعة الإضافية الحسنة"، مدبجةً فتواها بعبارات رصينة كأنها صدرت عن مجلس لفقهاء المتقدمين. غير أن هذا التنزيل الآلي هو تنزيل أعمى فاقد للبصيرة؛ لأن تحقيق المناط في الشريعة المحمدية ليس مجرد مطابقة نظرية هندسية بين قاعدة وواقعة، بل هو إدراك لحرارة "الحال" وسياق "المقام"، واستبصار لسر "الائتمان" الذي يربط القلوب المحبة بنبيها. الخوارزمية تفتقر افتقاراً ذاتياً إلى "النفس الناطقة" وإلى الوجدان الذي هو شرط كمال في فقه التنزيل؛ فحين تصدر فتواها بجواز هذا المجلس القاهري، تكون كمن يصف كيمياء العسل وتركيبه الجزيئي دون أن يذوق قطرة منه، أو كمن يحلل دمعة الخاشع مختزلاً إياها في مقادير صماء من الملح والماء، متجاهلاً لوعة العشق وقلق الروح.

ويعظم الخطب عند "مراجعة المناط"، وهي الحالة التي يعمد فيها الأصولي إلى العلائق المتداخلة في المناط تخريجا، وتنقيحا، وتحقيقا، للوقوف على كفايتها وموضوعية وجودها مفهوما وماصادقا قبل إظهار النتيجة من دائرة القوة إلى دائرة الفعل.

​ويا ليت شعري، كيف استطاع إنسان هذا العصر المادي أن يتوهم أن استخراج العلل الشرعية وتنزيل الأحكام على حدث عظيم كميلاد النبي يمكن أن يُسند بالكلية إلى مصفوفات من السيليكون وأسلاك من المعدن الصامت! إن الخوارزمية، في أقصى درجات ذكائها الاصطناعي، تظل فاقدة للذاتية الشاعرة التي بها يدرك الإنسان المعقولات المجردة إدراكاً ذوقياً وحضورياً. إنها آلة تعاني من فقر ذاتي مطلق، لا تملك وعياً بحقيقة ذاتها، فضلاً عن وعيها بحقيقة النور الخاتم. وحين نطلب منها تحليل المرويات الفقهية لحدث المولد وفق هذه النماذج التطبيقية، فإننا في الحقيقة نطلب من العدم أن يفيض بالوجود، ومن الجماد أن ينضح بالحياة.

إن المولد الشريف هو نداء الحق الذي بدد أوهام العقول، وهو ميلاد الإرادة الحرة التي تأبى الخضوع لغير الخالق المعبود، فكيف يخضع فهم هذا الحدث المهيب لقواعد التنبؤ الإحصائي الأعمى؟ إن المعنى العظيم الذي يحمله المولد لا يقبع بين دفتي الكتب فقط لتستله الخوارزميات بآليات المسح الضوئي، بل هو معنى مسطور في لوح القلوب، يتوارثه العارفون والعلماء الربانيون كابراً عن كابر، بالتزكية والمجاهدة، لا بزيادة سرعة وآلية المعالجة .

​وهنا يعلوا صوت المحبة لنبضة الوجود ليخاطب كل باحث أسلم زمام فكره ووجدانه في طيات التقنية المعاصرة، حتى بما صنعه سامرى الحداثة: اعلم أن الذكاء الاصطناعي، وإن كان أداة استقرائية جبارة تعين الفقيه في "تخريجه" و"تنقيحه" بحركة آلية جافة، إلا أنه يجب أن يبقى في مقام الآلة المسخرة، لا في مقام العقل المستنبط المؤتمن على "التحقيق". إن اليقين الفقهي والعمق الأصولي ينبثقان من ذات إنسانية تتألم وتتأمل، تخطئ وتتوب، تقرأ النص بعين الشريعة وقلب الحقيقة. سيبقى المولد النبوي الشريف عصياً على الذوبان الكامل في خوارزميات الآلة، محتفظاً بجلاله الذي تتهاوى أمامه محاولات الحوسبة الروحية. فمهما تطورت النماذج اللغوية الكبيرة، سيظل الوجدان المحمدي الحي هو الميزان الحق الذي تتحقق به المناطات وتوزن به الأعمال، وستبقى صرامة البرهان الفقهي مشدودة برباط لا ينفصم إلى رقة القلب البشري الذي اصطفاه الله لحمل أمانة التكليف، ليظل هذا النور الخاتم مشكاة تهدي الحيارى، شاهداً على أن كمال الفقه لا يُنال بحساب الأرقام والاحتمالات

ليست هناك تعليقات