خطيب الجامع الأزهر: ميلاد النبي ﷺ كان ميلاد أمة ونقطة تحول كبرى في حياة الوجود
ألقى فضيلة أ.د. سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر السابق، خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر، وتناول فيها ميلاد النبي محمد ﷺ، مؤكدا أن ميلاده لم يكن مجرد ميلاد فرد، بل كان ميلاد أمة ونقطة تحول كبرى في حياة الوجود، كما أن النبي ﷺ ينتمي لأصول طيبة، فجده قصي جمع صفوف قريش ووحد كلمتها حتى عرف بـ (المُجمع)، كما أن أباه عبد الله بن عبد المطلب عرف بالطهارة وعزة النفس، والقرآن الكريم قرر بشرية النبي ﷺ في قوله تعالى: "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ"، كما أن تميز النبي ﷺ عن سائر الخلق تتمثل في اصطفائه بالوحي الإلهي
وفي حديثه عن مكانة النبي ﷺ وآداب التعامل مع سنته، لفت خطيب الجامع الأزهر إلى سورة الحجرات، التي تُعرف بـ«سورة الأدب»، مشيرًا إلى قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»، موضحًا أن التقدمة بين يدي الرسول ﷺ في الأقوال والآراء من سوء الأدب، كما لا يتقدم الابن على أبيه في المشي. كما بيّن تكريم الله تعالى لنبيه في النداء القرآني، فلم يناده باسمه مجردًا كما نادى أنبياءه: «يا آدم، يا نوح، يا موسى»، وإنما ناداه بأحب الألقاب تعظيمًا لمقامه: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ» و«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ»، مؤكدًا حرمة جعل دعائه ﷺ كدعاء بعض الناس بعضًا، قال تعالى: «لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا».
وتناول فضيلته ما أُلِّف من مؤلفات ضخمة في شمائل النبي ﷺ، مبينًا أن الله عز وجل أغنى عن ذلك كله بما زكّى به عقل نبيه وعظيم خلقه، فقال تعالى: «نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ». وأكد أن أسرار الحروف المقطعة وعظيم قدر النبي ﷺ يظلان في علم الله وحده، وأنه رغم كثرة ما صُنِّف في سيرته وشمائله، يبقى مقامه ﷺ أسمى وأعظم من أن تحيط به المؤلفات.
وأكد خطيب الجامع الأزهر أن محبة النبي ﷺ تملأ القلوب، وتعد من أعظم ما يُلقى به العبد ربه، لقوله ﷺ: «لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِهِ، ووالدِهِ، والناسِ أجمعينَ». وأوضح أن الحب الحقيقي للنبي ﷺ يترجمه العمل والالتزام بسنته وتعاليمه السمحة، قال تعالى: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ»، محذرًا من ادعاء المحبة دون طاعة، مستشهدًا بقول الشاعر: «ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها.. إن السفينة لا تجري على اليبس»
كما تناول فضيلته ثورة الإصلاح التي جاء بها الإسلام لصالح المرأة، موضحًا أن الإسلام انتشلها من كونها متاعًا يورث إلى شريكة للرجل في بناء المجتمع والحياة السياسية، مستدلًا بمشاركتهن في بيعتي العقبة والرضوان، فضلًا عن حرص النبي ﷺ على تخصيص يوم لتعليم النساء وتثقيفهن.
واختتم فضيلته خطبته بالحديث عن معاني الصدق والوفاء بالعهد مع الله، مستعرضًا موقف الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه، الذي بكى حزنًا لتخلفه عن غزوة بدر، وعاهد الله بصدق أن يُريه ما يصنع إذا شهد قتال المشركين، فاستشهد ببسالة في غزوة أحد، ومثّل به المشركون حتى لم تعرفه أخته إلا ببنانه، فنزل فيه وفي أمثاله قول الله تعالى: «مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ». وأكد أن العهد الحقيقي يكون خالصًا لله، بعيدًا عن الرياء والنفاق، مشيرًا إلى موقف عبد الله بن عمر حين أمر برفع الخيمة عن قبر عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، مبينًا أن الإنسان لا يظله بعد مماته إلا عمله الصالح وحده.
ليست هناك تعليقات