حين يتحول الطمعُ إلى جريمةٍ وتصبحُ الدماء ثمنًا للمال
بقلم . مجدي مصطفى نجم
ليست كل الأخبار التي نسمعها تمر على القلب كما تمر على الأذن فبعض الأخبار يمر بنا كخبر عابر ثم ننساه وبعضها يقف أمامنا طويلا يجبرنا على أن نسأل أنفسنا كيف وصل الإنسان إلى هذه القسوة وكيف استطاعت لحظة طمع أن تطمس من قلبه معنى الرحمة وأن تجعل المال عنده أغلى من حياة الإنسان
ومن الأخبار المؤلمة التي هزت المجتمع مؤخرا ما شهدته منطقة التجمع من جريمة قتل بشعة راح ضحيتها رجل وزوجته وابنتاه في واقعة ارتبطت بحسب ما تداولته التحقيقات والأخبار بدافع السرقة والطمع واستكثار ما عند المجني عليه على نفسه
ولا ينبغي لنا ونحن نتناول مثل هذه الحوادث أن نقف عند تفاصيل الجريمة وحدها أو ننشغل فقط بسؤال كيف وقعت الجريمة وإنما ينبغي أن نسأل سؤالا أعمق وأخطر
كيف يصل الإنسان إلى اللحظة التي يصبح فيها قتل إنسان آخر عنده أهون من الحصول على مال؟
وأي فراغ في القلب يجعل الصداقة التي بنيت على الثقة تتحول إلى باب للغدر وأي طمع يجعل الإنسان ينظر إلى نعمة أخيه وكأنها حق له وأي وسوسة يستطيع بها الشيطان أن يقنع إنسانا بأن لحظة من المال تستحق أن يزهق من أجلها أرواحا بريئة
إن أخطر ما في الجريمة ليس فقط أن إنسانا قتل إنسانا وإنما أن القاتل في لحظة ما أقنع نفسه بأن ما يريده يستحق أن يدفع غيره حياته ثمنا له
وهنا يأتي الإسلام ليضع أمام الإنسان حدا لا يجوز تجاوزه أبدا لأن الدماء لها حرمة
حرمة لا تسقط بالطمع ولا بالغضب ولا بالحقد ولا بالحسد ولا باختلاف الدين ولا بالخلاف بين الناس
قال الله تعالى 👈﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
تأملوا ختام الآية 👈﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
وكأن القرآن يوقظ العقل قبل أن تقع الجريمة ويقول للإنسان فكر قبل أن تقدم وأبصر نهاية الطريق قبل أن تخطو فيه
فكم من جريمة لو أن صاحبها فكر في عاقبتها قبل أن يبدأها لما أقدم عليها
وكم من إنسان ظن أن المال الذي سيحصل عليه سيكون غنيمة فإذا به يتحول في حياته إلى حسرة
وكم من إنسان أراد أن يربح شيئا من الدنيا فإذا به يخسر دنياه وآخرته
إن الإنسان قد يغضب في لحظة وقد يحسد في لحظة وقد يطمع في لحظة ولكن العقل المؤمن يقول له توقف
ليس كل ما تريده تستحق أن تأخذه
وليس كل ما تقدر على فعله يجوز لك أن تفعله
وليس كل ما تراه عند غيرك حلالا لك
فالمال له أبوابه والحقوق لها طرقها والخلافات لها قضاء والقهر له علاج أما الدم إذا أريق فلا سبيل إلى إعادته
ولهذا كانت جريمة القتل من أعظم الجرائم لأن القاتل لا يسلب مالا فحسب ولا يهدم بيتا فحسب وإنما يسلب حياة لا يملك هو أن يعيدها
وإذا كان المجني عليه مسلما فحرمة دمه معلومة بالنصوص الكثيرة أما غير المسلم الذي يعيش في أمان وعهد فالإسلام كذلك لا يجعل دمه مباحا لمجرد اختلاف الدين
قال النبي صلى الله عليه وسلم 👈«مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»
وهذا من أعظم ما يبين أن الإسلام دين عدل وأن حرمة الدم لا يجوز أن تكون رهنا بالهوى أو العصبية أو الطمع
فالإنسان إنسان والظلم ظلم والجريمة جريمة
وهنا السؤال ماذا جنى القاتل من جريمته؟
لنفترض أن الإنسان قتل من أجل المال ثم حصل على المال
ماذا بعد؟
هل عاد المقتول إلى الحياة؟
هل عاد البيت كما كان؟
هل عادت الزوجة إلى زوجها؟
هل عادت الطفلتان إلى حضن أبيهما؟
هل استطاع المال أن يمحو صورة الجريمة من ذاكرته؟
هل استطاع أن يمنحه ليلة واحدة هادئة لا يطارده فيها الخوف والندم؟
إنه في الحقيقة لم يربح شيئًا
لقد استبدل شيئًا يفنى بشيءٍ لا يُعوض
استبدل المال بالحرية واستبدل الطمع بالأمن واستبدل لحظة رغبة بعمر من العواقب
وأصبح الشيء الذي أراد أن يحصل عليه سببا في ضياع حياته كلها
وهنا تظهر حقيقة ينبغي أن نتعلمها جميعا
ليس كل ما يبدو مكسبا مكسبا
فقد يربح الإنسان مالا ويخسر نفسه
وقد يربح خصومة ويخسر إنسانيته
وقد ينتصر على خصمه ويهزم أمام الله
وقد يأخذ ما في يد غيره ثم يقضي بقية عمره يتمنى لو أنه لم يأخذ شيئًا
ولو فكر الإنسان قبل الجريمة في النهاية لا في البداية لتغيرت أشياء كثيرة
لو تخيل القاتل لحظة وقوفه أمام الله
ولو تخيل دموع أهل الضحية
ولو تخيل أطفالا يبحثون عن أبيهم فلا يجدونه
ولو تخيل أما تنتظر ابنها فلا يعود
ولو تخيل نفسه خلف القضبان وقد انتهت الدنيا التي قتل من أجلها
لو فعل ذلك كله قبل أن يرتكب جريمته لربما قال لنفسه. لا يستحق الأمر
وهذه الكلمة وحدها قد تنقذ إنسانا من جريمة
لا يستحق الأمر نعم لايستحق
لا يستحق المال أن أقتل
لا تستحق الغيرة أن أظلم
لا يستحق الحسد أن أتمنى زوال نعمة غيري
لا يستحق الغضب أن أهدم حياة إنسان
لا تستحق لحظة انتقام أن أعيش بقية عمري نادما
إن كثيرًا من الجرائم تبدأ بفكرة صغيرة ثم تتحول إلى نية ثم إلى قرار ثم إلى فعل ثم يقف الإنسان بعد ذلك أمام واقع لا يستطيع الرجوع عنه. فالعاقل ليس من يفكر بعد الجريمة وإنما العاقل من يفكر قبلها
ولذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن القوة الحقيقية ليست في البطش وإنما في ضبط النفس فقال 👈«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»
فالقوي حقا ليس من يستطيع أن يقتل وإنما من يستطيع أن يتوقف
وليس القوي من يقدر على الانتقام وإنما من يملك نفسه حين تدفعه النفس إلى الانتقام
وليس الغني من يستكثر الخير على غيره وإنما الغني من رضي بما قسم الله له وسعى في رزقه من الحلال
وفي النهاية تبقى رسالة هذه الجريمة أكبر من تفاصيلها
احفظوا الدماء
احفظوا القلوب من الحسد
احفظوا النفوس من الطمع
وفكروا في العواقب قبل أن تقدموا على خطوة لا يمكن التراجع عنها
فالمال يعوض
والخصومة تنتهي
والغضب يهدأ
والحسد يزول
لكن الدم إذا خرج لا يعود
والروح إذا فارقت الجسد لا تستجيب لنداء
والمظلوم إذا مات لا تنفعه بعد ذلك اعتذارات القاتل
فيا من تُحدثك نفسك يوما بظلم إنسان أو الاعتداء عليه. قف لحظة. وفكر
واسأل نفسك قبل أن تخطو
هل يستحق الأمر أن أخسر إنسانيتي من أجله؟
فربما كانت لحظة تفكير واحدة سببا في إنقاذ روح بريئة وإنقاذ حياتك أنت أيضا من طريق لا رجعة فيه والله المستعان
✍️ مجدى مصطفى نجم
ما شاء الله ممتاز المقال ولمس الواقع الذي نعيشه الان ربنا يحفظنا جميعا
ردحذف