حين تقتل الأم في قلبها معنى الأمومة
بقلم . مجدى مصطفى نجم
هناك جرائم تهز الجسد حين نسمع تفاصيلها وهناك جرائم تهز شيئا أعمق من ذلك بكثير لأنها تصطدم بأقدس صورة أودعها الله في وجدان الإنسان وهي صورة الأم وهي تضم أبناءها وتحميهم وتخاف عليهم
والواقعة المتداولة بشأن مقتل الطفل مالك البالغ من العمر ثمانية أعوام في قرية ميت عنتر بمركز طلخا إذا ثبتت تفاصيلها أمام جهات التحقيق فهي ليست مجرد جريمة قتل وإنما مأساة إنسانية تهز الفطرة قبل أن تهز المشاعر
والأكثر إيلاما أن الأم المتهمة في الواقعة امرأة متعلمة تعمل صيدلانية وهنا يفرض المشهد سؤالا قاسيا
هل العلم وحده كاف للحد من ارتكاب الجريمة؟
وهل الشهادة العلمية تعني بالضرورة أن صاحبها أكثر رحمة أو أكثر قدرة على ضبط نفسه عند الغضب؟
الحقيقة أن العلم يوسع مدارك الإنسان لكنه لا يضمن وحده صلاح القلب فكم من إنسان يحمل شهادة عالية لكنه يفتقد البصيرة الأخلاقية وكم من إنسان بسيط التعليم يحمل من الرحمة والضمير ما يجعله أرق قلبا وأعظم إنسانية
فالشهادة تعلم الإنسان مهنته أما الأخلاق فتعلمه كيف يكون إنسانا
والأشد وجعا في هذه الواقعة إن ثبتت تفاصيلها أن الطفل لا ذنب له في خصومة أبويه
هل اختار الطلاق؟ هل صنع الخلاف؟ هل كان مسؤولا عن الألم الذي نشب بينهما؟
قال تعالى 👈﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
فالطفل لا يحمل وزر أبيه ولا وزر أمه ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للانتقام من أحدهما
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم 👈«مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ»
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الرحمة 👈«فَمِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ تَرْفَعُ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» رواه مسلم
فإذا كانت الرحمة قد بلغت في الحيوان أن يخشى على صغيره من قدمه فكيف يطغى الغضب والانتقام على قلب أم تجاه طفل من لحمها ودمها؟
إن المشكلة ليست في التعليم وحده وإنما في العلم حين ينفصل عن الضمير وفي المعرفة حين لا تصحبها خشية الله
قال تعالى 👈﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
حتى الخصومة لا تبيح الظلم وحتى الغضب لا يسقط العدل
وحتى حين تنتهي الحياة الزوجية يقول الله سبحانه
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
ثم يقول 👈﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾
فإذا انتهى الزواج فلا ينبغي أن تنتهي الرحمة وإذا افترق الزوجان فلا ينبغي أن يتحول الطفل إلى ساحة حرب
لا يكون ورقة ضغط ولا وسيلة انتقام ولا رسالة إلى الطرف الآخر
تغضب من زوجك كما تشاء وتطلب حقك بالقانون وتلجأ إلى القضاء لكن الطفل خط أحمر
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم 👈«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» متفق عليه
القوة ليست أن تؤلم من آلمك بل أن تملك نفسك قبل أن يتحول ألمك إلى ظلم لبريء
ولا ينبغي أن تجعلنا هذه الواقعة إن ثبتت تفاصيلها نهاجم التعليم أو نعمم الحكم على النساء والأمهات فالجريمة جريمة فرد ولا تمثل كل أم ولا كل امرأة
لكنها تذكرنا بحقيقة مؤلمة. أن العلم بلا أخلاق قد يمنح الإنسان المعرفة لكنه لا يمنحه الرحمة. وأن أعظم ما يحتاجه الإنسان حين يغضب ليس شهادة جديدة وإنما قلب يخاف الله وضمير يمنعه من الظلم
فالطفل لا يفهم حسابات الكبار ولا يعرف لماذا اختلف أبوه وأمه ولا لماذا انتهى الزواج هو يعرف فقط أن هذه أمه وهذا أبوه
فلا تجعلوا أبناءكم وقودا لخلافاتكم
افترقوا إن استحال الاجتماع لكن لا تقتلوا في قلوب أطفالكم معنى الأسرة
خاصموا أمام القضاء إن شئتم لكن لا تجعلوا الطفل قاضيا بينكم
والرسالة الأهم
قد ينتهي الزواج بالطلاق لكن الأمومة لا تنتهي والرحمة لا ينبغي أن تنتهي والطفل لا ذنب له في خلافات أبويه والله المستعان

ليست هناك تعليقات