حين يُحاسَب الأب على نجاحه.. أيمن بهجت قمر بين رحلة الكفاح واتهامات الواسطة




بقلم: د. نور نوري


في كل مرة يدخل فيها ابن أحد الناجحين إلى المجال نفسه الذي صنع فيه والده اسمه، يتكرر المشهد ذاته: اتهامات جاهزة تبدأ قبل أن يُسمع العمل أو يُقيّم.


“واسطة”، “توريث”، “استغلال اسم الأب”… وكأن النجاح أصبح تهمة، وكأن الأب مطالب بأن يتخلى عن دعم ابنه حتى يثبت للناس أنه يستحق المكانة التي وصل إليها.


هذا ما حدث بعد مشاركة أدهم أيمن بهجت قمر كملحن في ألبوم الفنان الكبير عمرو دياب، حيث انشغل البعض بالحديث عن اسم والده أكثر من الحديث عن موهبته وعمله، وكأن القضية لم تعد تقييم تجربة فنية جديدة، بل أصبحت محاكمة لأب اختار أن يقف بجوار ابنه.


وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها من بعيد أو اعتمادًا على ما يُقال في وسائل الإعلام، بل بصفتي أحد أصدقاء أيمن بهجت قمر، وأعتبره أخًا عزيزًا. كنت شاهدًا على جزء من رحلته الإنسانية والمهنية، ورأيت عن قرب حجم الجهد الذي بذله، والإصرار الذي حمله في طريق لم يكن سهلًا كما يتخيل البعض.


أيمن بهجت قمر لم يصل إلى مكانته بين ليلة وضحاها، ولم يجد الطريق ممهدًا أمامه. لقد دخل عالم الفن في وقت كانت الساحة مليئة بأسماء كبيرة لها تاريخها وحضورها، وكان عليه أن يثبت نفسه وسط منافسة شديدة.


اختار الطريق الأصعب؛ أن يتحدث عمله عنه.


بدأ بالكلمة، وبنى اسمه خطوة بخطوة، أغنية بعد أغنية، حتى أصبح واحدًا من أبرز شعراء الأغنية العربية، وارتبط اسمه بأعمال بقيت في ذاكرة الجمهور. ثم انتقل إلى كتابة السيناريو، ونجح في مجال آخر، مؤكدًا أن الموهبة الحقيقية قادرة على العبور بين مجالات الإبداع المختلفة.


لقد عرفت أيمن عن قرب، ورأيت إنسانًا لا يعرف طريقًا غير العمل، يحمل مسؤولياته بصبر، ويؤمن أن النجاح ليس محطة يصل إليها الإنسان ثم يتوقف، بل رحلة تحتاج دائمًا إلى تطوير واجتهاد.


ولهذا، فإن كل ما وصل إليه اليوم لم يكن هدية من أحد، ولم يصنعه اسم عائلته، بل صنعته سنوات طويلة من التعب والتجربة والالتزام.


ومن هنا يأتي السؤال:


ماذا كان المطلوب من أيمن بهجت قمر أن يفعل عندما جاءت فرصة لابنه؟


هل كان عليه أن يقول له: “لن أساعدك لأن الناس قد تتهمني بأنني والدك”؟


أي منطق هذا؟


أي أب في الدنيا، إذا امتلك القدرة على دعم ابنه وفتح باب له، سيفعل ذلك. هذه ليست جريمة، بل فطرة إنسانية قبل أن تكون مسؤولية.


الطبيب يدعم ابنه إذا اختار الطب، والمهندس ينقل خبرته لأبنائه، ورجل الأعمال يساعد أبناءه في بداية الطريق، والفنان من الطبيعي أن يقدم أبناءه إلى العالم الذي قضى عمره في بنائه.


فلماذا يصبح الأمر مرفوضًا فقط عندما يتعلق بالفن؟


المشكلة الحقيقية أن البعض يخلط بين منح الفرصة وصناعة النجاح.


الأب يستطيع أن يفتح الباب، لكنه لا يستطيع أن يفرض القبول.


يستطيع أن يقدم ابنه، لكنه لا يستطيع أن يمنحه الموهبة.


يستطيع أن يدعمه، لكنه لا يستطيع أن يجعل الجمهور يحبه إذا لم يقدم شيئًا يستحق.


ولو كان النجاح يُورث، لكان أبناء جميع الفنانين والمبدعين نجومًا، لكن الواقع يثبت عكس ذلك تمامًا. هناك أبناء مشاهير اختفوا رغم توفر كل الفرص، وهناك أسماء عظيمة بدأت من الصفر وصنعت تاريخها بموهبتها واجتهادها.


لذلك فإن الحكم العادل يجب أن يكون على العمل نفسه، وليس على اسم العائلة.


أنا لا أدعو إلى المجاملة، ولا أطلب من أحد أن يمنح أي شخص نجاحًا لا يستحقه. النقد حق، بل هو ضرورة لأي فنان، لكن النقد الحقيقي يأتي بعد الاستماع والمشاهدة والتقييم، وليس قبل ذلك.


أما الهجوم لمجرد أن الفنان ابن شخصية ناجحة، فهو ليس دفاعًا عن العدالة، بل نوع من القسوة والمزايدة.


وسلام كبير… لأدهم أيمن بهجت قمر.


وأقولها لك كما أقولها لأحد أبنائي: لا تجعل ضجيج مواقع التواصل يشغلك عن هدفك، ولا تسمح للأحكام المسبقة أن تهز ثقتك بنفسك.


أغلق أذنك عن الإساءة والكلام الذي لا يبني، لكن افتح قلبك لكل نقد صادق يساعدك على التطور. فالفنان الحقيقي لا يتوقف عن التعلم، ولا يعتقد أن الفرصة وحدها تكفي.


تذكر دائمًا أن اسم والدك قد يفتح لك بابًا، لكنه لن يحافظ على مكانك. الذي سيبقيك هو موهبتك، واجتهادك، وتواضعك، واحترامك لفنك.


اجعل كل عمل تقدمه أفضل من السابق، ودع الجمهور هو من يكتب شهادتك الحقيقية.


فكما صنع والدك مكانته عبر سنوات طويلة من العمل والكفاح، سيكون عليك أنت أيضًا أن تبني طريقك الخاص.


أتمنى لك التوفيق يا أدهم، وأن تكون هذه بداية رحلة طويلة من الإبداع والنجاح.


فالموهبة قد تكون بداية الطريق، لكن الاستمرار لا يصنعه إلا التعلم والاجتهاد والإخلاص للفن

ليست هناك تعليقات