خواطر على عتبات المعنى

 


بقلم الدكتور محمد عبد الرحيم البيومي

عندما تمشي الوقائع في أسواق الحياة لا بطون الكتب لكل واقف على باب الفهم، قبل أن تغوص في أعماق الأحكام، قف متأملاً على عتبات المعنى لتدرك أن الشريعة لم تنزل كلمات تُحبس في الورق، بل نزلت أنفاساً تمشي في عروق الواقع. لكل حكم فيها روحٌ معلّق بوصفٍ ظاهر منضبط؛ إذا ظهر في دنيا الناس عاد الحكم، وإذا زال زال. وهذا الوصف هو سرّ المرونة، ومفتاح الاجتهاد الذي يصون الدين من الجمود.

فالتعليل عند أهل النظر هو إثبات حكم لفرع لأجل وصفٍ جامع بينه وبين الأصل، وهو كشف وجه المناسبة بين الأمر الإلهي ومصلحة الإنسان. الشريعة كلها جاءت لتحقيق مصالح العباد، وكل حكم فيها له غاية وإن خفيت. فالتعليل ليس تحكيماً للعقل على النص، بل قراءة للنص بعين القلب قبل عين الحرف، ورسوخ في الروع أن النص ليس جسداً بلا روح، بل كائنٌ حيّ ينطق كلما نطق الواقع بمستجداته.

وإذا سألت: ما موقف الشريعة من التعليل؟ كان من أبجديات الجواب أن الشريعة قائمة على الحِكَم وإن خفيت، والعلل وإن غابت، خلافاً لمن ظن أن الأحكام قسمان: معقول المعنى، وتعبدي محض لا علة فيه. الحق أن العبادات المحضة في كينونتها حِكَمٌ تترقرق في أعماقها، لكن العلة قد تتخفى في دثار حيائها فلا تدركها العقول القاصرة، فتسلّم بها تسليم العبد لسيده. أما المعاملات والحدود فالعلة فيها ظاهرة جلية يلمسها الناس في أسواقهم وبيوتهم ومحاكمهم. وانظر إلى آيات الكتاب تجد الإرادة والمصلحة تنطق بها: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ﴾[البقرة:185]، ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾[الحج:78]، ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾[البقرة:286]. فالإرادة ظاهرة، والمصلحة كامنة، والعلة جسرٌ من نور يجمع بينهما. وما جاءت الشريعة لتكليف الناس بما لا يطيقون، بل لتكون منهاج حياة لا منهاج موات، يحمل كل حكم فيها سرّ تربية الإنسان، وصناعة المجتمع، وحفظ التوازن بين الفرد والجماعة، بين الدنيا والآخرة.

غير أن التعليل ليس ترفاً عقلياً، بل هو قانون ذاتية الحياة. فكما أن لكل ظاهرة سبباً يحمله الكون في أحشائه، فلكل حكم علة في التشريع. من أدرك السبب أدرك الحكمة، ومن أدرك الحكمة اطمأن قلبه، ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾[الحجر:21]. ولكن يجب أن نحذر: فليس كل خاطرٍ علة، ولا كل مصلحةٍ نتوهمها تُلغى بها النصوص. للعلة شروط كشروط النسب الشريف: أولها الضبط، بأن تكون منضبطة لا تتغير باختلاف الأهواء والأمزجة، كوصف الإسكار في تحريم المسكر، فهو وصف يمكن قياسه بالحس والعقل. وثانيها الانضباط الإدراكي، بأن تُدرك حساً أو عقلاً فلا تكون غامضة إلى حد العجز. وثالثها المناسبة، وهو أهم الشروط؛ فيكون الوصف مناسباً للحكم، يحقق وجوده مصلحة ويحقق عدمه مفسدة، فكأن الوصف يصرخ بالحكم صراخ الظمآن للماء. ورابعها الظهور، بأن تكون العلة ظاهرة للعقل السليم لا سراً مكنوناً لا يدركه إلا الخواص. فإذا اجتمعت هذه الشروط قامت العلة، وإذا اختل شرطٌ سقط البناء.

والعلة ليست مجرد وصف، بل هي القانون الكامن وراء الحكم، كقانون الجاذبية وراء سقوط التفاحة. من فهم القانون فهم لماذا سقطت، ومن فهم العلة فهم لماذا حُرّم أو وُجب. ومن هنا كانت القاعدة الأصولية الذهبية: "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً". فإذا زال الوصف زال الأثر، وإذا عاد الوصف عاد الأثر، وهذا هو سرّ ديناميكية الفقه. وهنا ندرك أن المتعدي من العلل هو الذي يجعل الشريعة صالحة لكل عصر ومصر؛ لأن العلة معنى كلي، والمعنى الكلي لا يشيخ ولا يهرم، بينما الصور الجزئية تتغير وتتبدل. فمن فهم المعنى الكلي ملك مفتاح التجديد، ومن وقف عند الصورة الجزئية حبس نفسه في قفص التاريخ. وما دام الإنسان يتألم من الظلم ويفرح بالعدل، ويجوع ويشبع، ويمرض ويشفى، فستبقى العلل قائمة، ولو تغيرت أسماء الأشياء.

وتنقسم العلل بحسب ورودها إلى منصوصة نطق الشارع بها، كقوله: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، فلا اجتهاد مع النص، ومستنبطة استخرجها المجتهد باستقراء النصوص وجمع النظائر، كاستنباط الإسكار علة لتحريم الخمر، فالنص قال: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ ﴾[المائدة:90]، والعقل استقرأ فوجد أن علة التحريم ذهاب العقل. والأصل في علل الشريعة أنها متعدية، لأن التشريع جاء عاماً لمصالح البشر بجمعهم.

ويقف الفهم هنا على مفترق دقيق بين ثلاثة ألفاظ: العلة، والحكمة، والمصلحة. فالعلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يلزم من وجوده وجود الحكم، وهي السبب الظاهر. والحكمة هي الغاية المقصودة من الحكم، وقد تخفى، فتكون البواعث الباطنة. والمصلحة هي النفع الذي يعود على المكلف من امتثال الحكم. مثال ذلك: علة تحريم الخمر الإسكار، وهو ظاهر منضبط، والحكمة حفظ العقل، وهي غاية باطنة، والمصلحة سلامة البدن والمال والعرض. وهذا التفريق يضبط باب القياس ويمنع التلاعب، فلا يجوز أن نلغي العلة باسم الحكمة، ولا أن نخترع علة باسم المصلحة. وقد تتعدد الحكمة لحكم واحد، فالصلاة فيها حكمة تربوية واجتماعية وصحية، لكن العلة واحدة: دخول الوقت. العلة منضبطة، والحكمة واسعة، والمصلحة متعددة. ومن الخلط الشائع أن يُجعل كل معنى حسن علة، فيُرد النص باسم المصلحة؛ وهذا مزلق خطير، لأن المصلحة إن لم تضبطها العلة صارت فوضى، والعلة إن لم تضبطها النصوص صارت تحكماً.

وبهذا يتبين أن القياس كله مبني على التعليل. فزوال علة السفر يزيل رخصة القصر، وزوال علة المرض يزيل رخصة الفطر، وزوال علة الخوف يزيل رخصة الجمع. التعليل هو الذي يجعل الشريعة مرنة متجددة، حيّة كالشجرة، جذورها في النص، وأغصانها تمتد إلى كل نازلة، وهو الذي يجعلها دين الفطرة، لأنه يخاطب العقل السليم الذي يفهم المناسبة بين الوصف والحكم، لا مجرد ذاكرة تحفظ ألفاظاً فرغت من معناها. والقياس ليس نسخاً للحكم، بل هو كشف للعلاقة الخفية بين الأصل والفرع، فإذا ظهرت العلة الجامعة صار الفرع كالأصل، وهذا سرّ وحدة الشريعة مع كثرة وقائعها.

وقد وقف العلماء من التعليل مواقف: فمنهم من أنكره مطلقاً وجعل الأحكام تعبدية بلا علة، وهذا يصادم نصوصاً كثيرة. ومنهم من بالغ حتى جعل كل شيء معقول المعنى، فحكّم عقله على النص وردّ ما خالف هواه. وخير الأمور أوسطها: إثبات التعليل حيث ثبت بالنص أو بالاستقراء الصحيح، والتسليم حيث خفيت العلة، وعدم إلغاء النص باسم المصلحة المرسلة. الوسطية في التعليل هي ميزان الشرع؛ فلا جمود يقتل الحياة، ولا فوضى تهدم البناء. من بالغ جعل العقل إلهاً، ومن أنكر جعل النص قبراً. والطريق الحق أن نسير بين النص والعقل، بين النقل والفهم، بين الثبات والمرونة.

ومن هنا كان التعليل باب الاجتهاد الحي. فالمستجدات التي لم ينص عليها الشارع تُلحق بما يشابهها في العلة، فيبقى الفقه حياً يخاطب الناس في كل زمان. ومن أعظم تطبيقات التعليل في واقعنا المعاصر نازلتان تمشيان في الأسواق قبل أن تُكتب في الكتب:

الأولى: المخدرات الإلكترونية : وهي ترددات صوتية ومرئية تُبث عبر سماعات وبرامج، تحدث اضطراباً في موجات الدماغ يشبه تأثير المسكرات، فيدمنها الشاب حتى يغيب عن وعيه، وينعزل عن أهله، وتذبل روحه. قد يقول قائل: لم يرد نص في تحريمها. فتجيب العلة: إن علة تحريم المسكر ذهاب العقل، وكل ما أذهب العقل قليلاً أو كثيراً داخل في النهي. وقد أثبت الطب أن هذه الترددات تذهب الإدراك، وتغير المزاج، وتورث الاكتئاب والانفصام. العلة هنا ليست مادية، بل وظيفية؛ فما دام الأثر هو إذهاب الوعي، فالحكم واحد، لأن الشريعة تحكم بالمعاني لا بالأسماء. وما جاءت الشريعة لتحرس لفظ "خمر"، بل لتحرس معنى "العقل" الذي هو مناط التكليف. فإذا رأيت ابناً أسيراً لسماعاته، ذابل العين، شاحب الوجه، تاركاً صلاته، فاعلم أن العلة قائمة، وأن الحكم واجب: المنع والعلاج.

الثانية: العملات الرقمية المشفرة : وهي أرقام في شبكة لا تراها العين ولا تزنها اليد، تصعد وتهبط آلاف الدولارات في دقائق بلا أصل ولا منفعة محققة، يشتريها الناس اليوم على أمل أن يبيعها غيرهم غداً بسعر أعلى، في قمار مقنع باسم الاستثمار. فنسأل العلة: ما علة النهي عن الميسر؟ إنها أكل المال بالباطل والاعتماد على الحظ لا الكدّ. وما علة النهي عن الغرر الفاحش؟ إنها الجهالة المؤدية إلى النزاع والظلم. فإذا كان الشراء هنا مبنياً على المضاربة الجنونية والتخمين لا على إنتاج ولا خدمة، دخل في دائرة المنع. المال في الشريعة ليس رقماً، بل قيمة تبادلية لها منفعة مقصودة وثبات نسبي، فإذا صار مجرد توقع وتخمين انتفت العلة وصار لعباً لا مالاً. الشريعة تحفظ المال لأنه وسيلة لحفظ النفس والأسرة والمجتمع، فإذا صار وسيلة لهدم النفس وتشريد الأسرة، انقلب من نعمة إلى نقمة، ووجب تقنينه.

غير أنه يجب أن نثبت التعليل حيث ثبت، ونسلّم حيث خفي، ولا نلغي النص باسم المصلحة. من بالغ في التعليل حتى ردّ كل نص إلى عقله وقع في الطغيان، ومن أنكره جملة وقع في الجمود. والقاعدة الذهبية: أن الشريعة بنيت على مقاصد لا على شكليات، لكن المقاصد لا تُفهم إلا بضوابط، وإلا صار كل واحد مشرعاً لهواه. الميزان أن نجمع بين النص والعقل، بين النقل والفهم، بين الثبات والمرونة.

ولنعلم أن الشريعة جاءت لحفظ ضرورات خمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فكل علة تدور حول حفظها أو دفع فساد عنها. فإذا جاءك واقع جديد فاسأل: أي الضرورات يمس؟ وأي المفسدات يدفع؟ فإن وجدت الجواب فقد وجدت المفتاح، وإن لم تجد فقف، فإن الوقوف عند الحد عبادة. والضرورات الخمس ليست قائمة بذاتها، بل مترابطة كأصابع اليد: إذا ذهب العقل ذهب الدين، وإذا ذهب المال ضاع النسل، وإذا ضاع النسل ذهبت الأمة. فالتعليل يبصرنا بهذا الترابط، ويجعلنا ننظر إلى الحكم لا بمعزل، بل في شبكة المصالح والمفاسد.

وبعد أيها السالك: خذ هذه الخواطر زاداً، وامشِ في الأسواق بعين الفقيه لا بعين التاجر، وسترى أن كل دكان مسألة، وكل عقد قضية، وكل بيت منبر، وأن الشريعة ما زالت حية، لأن عللها تمشي مع الناس لا تنام في الرفوف. فإذا فهمت العلة فهمت روح الشريعة، وإذا فهمت الروح فهمت لماذا بقي الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان. الفقيه الحق هو من يقرأ الواقع كما يقرأ النص، ومن يفهم العلة كما يفهم اللفظ، ومن يجمع بين البصيرة والبصر.

إذا وقفت على عتبة المعنى، وسمعت دقات الواقع في الأسواق والمستشفيات والبيوت، أدركت أن الشريعة ليست كتاباً مغلقاً، بل نهراً جارياً، لا يحبسه جدار ولا يوقفه زمان. خذ منها ما يروي عطشك، واترك منها ما يخيفك، وامش مطمئناً، فإن للحق نوراً يهدي، وللعلة ميزاناً يعدل، وللروح سكناً يطمئن. وإنما الشريعة رحمة مشت على الأرض؛ لا تخاف من الجديد، لأن الجديد إذا حمل العلة القديمة صار قديماً في حكمه، ولا تخاف من التغير، لأن التغير إذا لم يمس العلة لم يمس الحكم. فاطمئن، فإن دينك دين حياة، ودين عقل، ودين رحمة، ودين ميزان، ودين معنى يمشي معك أينما مشيت.

ليست هناك تعليقات