من الغار إلى البحر: فقه القيادة التربوية في إدارة الأزمات

 

بقلم الأستاذ الدكتور / محمد عبد الرحيم البيومي. أستاذ العقيدةوالفلسفة بجامعة الأزهر




حيث يلتقي ظلال الغار بتلاطم أمواج البحار، هناك وُلدت المعادلة القيادية الصعبة: بين دقة التخطيط

ووهج اليقين، بين حسا ʪت الأرض وفقه السماء، فمن ʪطن الغار المكي انبثقت أولى شفرات "الهندسة

الاستراتيجية"، ومن ضفاف البحر المتلاطم يُعلن أول قرار سيادي قبل انفلاق الماء، ولعل المتأمل في سير الزمان

ومسيرته يدرك وهج التلاقي المعرفي بين النبرة القرآنية وطيات السيرة في مسارين تحوليّين أدارا الأمةوجوداًوفقهاً:

مسار الهجرة فبناء الدولة، ومسار الخروج فتأسيس الشريعة، وقد جر ʮ وفق ʭموس سنني واحد؛ مزاوجة بين

حسا ʪت الأرض المادية "مهارة الدليل"وفقه السماء الإيماني "ثبات القلب"،ولعل هذا هو مدار التدافع في عالمي

المثل والواقع:كيف تُصاغ الأزمة في أوج عتوها؟وكيف يُعاد تشكيل الوعي لينقذ الإنسان من وهاده؟وكيف تُبنى

الكيا ʭت منرحم أخطارها؟ هنا تكون النقلات النوعية للكيفيات من دائرة مفاهيمها إلى تلمس ماصدقا ēا، في

معطيات لأبٍواحدوعلات شتى من مظاهرها.

وتتجلى أولى هذه المظاهر في غرفة عمليات الغار، حيث يتصدر الوعيُقبل السعي، فإذا Ϧملنا الغار في

شتى صوره ومشاهده، نجد عبقرية التدافع بـَرَاءٌمن الارتجال،وخلاص من التواكل، فقبل الإذن ʪلهجرةوالخروج،

رُسمت خطة الانتقال من المعاني إلى المباني، ومن إبداع الفكر إلى دقة الفعل؛ فثمة توقيت حرج "هجرة تُربىَّعلى

أعين الإذن"،وحليف عقدي "الصديق قبل الطريق"،ودليل ماهر "خبير المسالك"ولو من خارج الاعتقادوالفكر،

ومسار معاكس للتمويه، وملاذ مؤقت في بطن الغار مع سير ليلي حذر، ما أعظمها من هندسة! تلاحمٌبين

لأخذ ʪلأسبابكأ Ĕاكل شيء، وبين التوكل على المسببكأ Ĕا لا شيء،وهذا درس لكل متأرجح بين مادية

تختال وهماًبين النواصب، وتواكل ساذج يبدد المكاسب؛ فالسنن فيكون اللهوجر ʮن الحياة لها سلطا Ĕا، فتُساق

الحوادث أمامها ϥصوات من الرعد وسياط من البرق أنْ: كُنْماهراًفي أداتك، راسخاًفي عقيدتك؛ خَطِّط

للأسوأ،واصبر للأفضل، لتكون العبرة المستقاة: لا تُقدّم التوكل على الأسباب فيضيع السبب،ولا تُقدّم الأسباب

على التوكل فيموت القلب؛وخذ ʪلأسباب يقيناً، وتوكل على المسبب عملاً.

وانتقالاًمن بطن الغار إلى جبهة البحر، تبرز المعادلة القيادية في تحقيق السيادة قبل الانفلاق، فإذا ما

نظر ʭ إلى جبهة البحر معكليم الله موسى، نجد السنة ذا ēا في سياق مغاير؛ عدوٌّيطوِّق الأفق بجيشه،وجغرافيا

أظلمت الآفاق ببحر متلاطم، وأتباع تحت وطأة "الوعي المنهزم" يهتفون: "إ ʭ لمدركَون"، هنا تنكشف الأزمة:

ليست حصار أجساد، بل حصار أفكار، فالإداري الملهَم لا يبدأ بكسر البحر، وإنما يبدأ بكسر اليأس، فإذا ما

نطقوا بلسان المادة، أجا đم بمنطق السنن: "كلا إن معي ربي سيهدين"، إن قاعدة التأسيس هنا تقتضي أنه قبل

تبديل الواقع وتغييره، لا بد من تبديل في المعجم وألفاظه؛ استبدل ألفاظ الانسداد بعبارات الامتداد، فمن لا

إذا اصطدمت بموازين القوى الإيمانية،وأن العصا التي شقت البحركانت في يد قلب آمن قبل أن تكون في يدٍيملك خطاب الأمل واليقين، لا يملك فريق النجاح والعبور،والإداري المؤيَّد يعلم أن موازين القوى المادية تنكسر

رفعت ʪلذنوبوالآ ʬم،وتبقى العبرة: لا تبدأ ʪلبحر فيغرقك الماء،وابدأ ʪليقين فينشق الماء؛ غيرِّلغة الفريق قبل

أن تغيرّجغرافيا المعركة، هنا يدركك لطف المدد من السماء،وخيوط التوفيق من الأرض، ولن تضيع أمة عاشت في مشروعها بين مدد اوأقدار توفيقها.

ومن شواخص المثل وشواهدها في وشائج القربى بين بحر الكليم وغار الحبيب، ينبثق فقه الكفاءات

متجاوزاًمطلقية الولا ʮت إلى تبني الكفاءة الفاعلة في المشهدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقدّم القرابة على الكفاءة، بل قدّم

الخبرةوالكفاءة ʪختياره "دليل المسالكوخبير الممالك" ولو على غير دينه، لأن الاختيار الفاعل ميزانه الكفاءة

في نزاهة صورهاوشدة ظهورها، وموسى عليه السلام لم يرضَʪلتفرد، بل طلب التكامل: "هارون أخي اشدد به

أزري"، لأن الر ʮدة في حقيقة أمرها تضافر لا تفرد، وتكامل لا تنافر،والإداري الحصيف لا يطلب مرا ʮ تعكس

صورته، بل يطلب عقولاًتجبر كسره: ثبات المال، وحسم القرار، ومخاطرة المعرفة، وبيان السياسة؛ ليقينه أن

المؤسسات لا تنهار لنقص الموارد، بل لسوء توظيف الكفاءات،ولا تسقط لقلة الأفراد، بل لغياب التكامل، فأبو

بكر للمال والموقف،وعمر للحسم الدستوري،وعلي للمخاطرة المعرفية،وهارون للإعلام الذي يقتضي دبلوماسية

الإفصاح والبيان، ومن ثمََّنَعِي أن البناء لفريق العمل لا يكون ʪستنساخ صورراكدة مكررة، بل حقيقة البناء

والإبداع فيه أضلاع اختلفت فتكاملت فساغت للشرابين وسرت الناظرين؛ فما نجاح المؤسسات إلا إدراك أن

التماثل موت،والتنوع حياة.

وإذ أمعنا في منهج إدارة التنوع وفلسفة الاستيعاب،وجد ʭ فقهاًإدارʮًيدندن حول صنوف الإعجاز،

متحولاًمن إدارة الثأر إلى إدارة العقد، لقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكةوقدكان بين جنبا ēا محاصراً، بيد أن حصار

الأبدان لم يحل دون تحليق الأرواح وإبداع الأفكار، لذا كان أول دستور صاغه صلى الله عليه وسلم في يثرب

"وثيقة المدينة" يعبر عن فلسفة الاحتواءوقانون الاستيعاب بمثابة عقد اجتماعي يجمع المختلف تحت بند سيادي صارم: "الظالم محاربكائناًمنكان"، وموسى عليه السلام بعد انفلاق البحر لم ينكفئ على ثأر  قديم يطلبه بل

ل بشريعة قوامها العدل بين بني الإنسان، فالقيادة التي أُلهمت رشدها من ر đا وهو العالمِđا لم تكن لتبني

بين إدارة الثأر التي تقصي لتفني، وإدارة الرسالة التي تحق الحق لتستوعب فتبقى. وهذا عين الخلد لسراقة راوʮًمشروعيتها على أنقاض الآخر وسحقه، بل على ترسيخ أشعرية تشاركية في المصير والقرار، وذلك مفرق البحرين

لبشارة سواريكسرى،و đا غدا سحرة فرعون طليعة شهداء الحقيقةوكانوا أعلم đاوأهلها فتوجهوا đا إلى الحقيق

والزعيم đا: "آمنا برب هارون وموسى"، فالمؤسسات لا تُقاس بعدد من أقصت، بل بعدد من استوعبت،ولا

تُبنى على أنقاض الخصوم، بل على عهود تشاركهم ودمج إراد ēم، وفي هذا تكمن العبرة: لا تحكم بسيف الثأر

سلطان الحقيقة في مطلق إدراكها وإنما في بذل الجهد في الوقوف عليها واقتفاء أثرها: "ففهمناها سليمانوكلاًفيقصر عمرك، واحكم بميزان العدل فيطول أثرك؛ ومن غَيَّبَالمستَحِقَّغاب، ومن استوعب الآخر ساد، وما

آتينا حكماًوعلماً".

وهنا تتكامل هذه المعاني التربوية لتصنع نموذجاًفيكسر المألوف وهندسة البدائل،والتي تتجلى في هجرة

عبر طريق غير مطروق، وفي تشريع صوم عاشوراء لمخالفة المركزية الثقافية التي اعتاد الناس طوافاًمن حولها،

والقاعدة هنا في أوليات استنباطها: أن الكيا ʭت المبدعة لا تسير في مربعات أقرا Ĕا، بل تنسج فضاءها الخاص

đا؛ فلا تنتظر من فرعون فتح البحر، بل شعارهاود ʬرها: اشقق طريقك بعصا المبادرة؛ولا تترقب من قريش أمان

الدار،واصنع بديلك في قفر التحدي،وكن ʬبتاًفي رمكزية ذاتك لا متقلقلاًفي أفلاك غيرك، فما تميزك إلا قرار

سيادي، به لن تكون صدى لغيرك، بل أصلاًمستقلاًيتشبث المبدعون ϥصوله ويستظلون بفروعه،والمؤسسات

العظيمة لا تنتظر إذʭًمن قر ʭئها لتتحرك، ولا تستجدي مساراًمن محيطها لتتقدم، بل تصنع محيطها الأزرق

يدها،وتشق طريقها بعصا إراد ēا،ومن ثم تتبلور همسات الآذان في وصا ʮ الأولين للآخرين: لا تكن صدى يردد

غيره،وكن أصلاًيصنع في العالمين مجده؛ فالتبعية ذل،والاستقلال عز،والذلوالعز في أبجد ʮت الأحرار لا يترادفان

ولا يجتمعان.

ولا تتم أدوات الإبداع التربوي والإداري إلا بـ "فقه الانعزال الاستراتيجي"، حيث يتصدر الغارُقبل

الديوان، ففي الهجرة النبوية ثلاث ليال في الغار تسبق طفرة عقد الدستور و Ϧسيس الدولة،وأربعون ليلة في الطور

تسبق استلام الشريعة وأنوار التلقي؛ وهكذا كل انطلاقة حضارية تسبقها خلوة معرفية، والقائد الذي تبتلعه

التفاصيل يفقد بوصلة توجهه، فالعمل بلا Ϧمل عمى،والتأمل بلا عمل عجز،والجمع بينهما حكمةورشد.

فالإداري المسددوالمؤيد هو من يغلق ʪب مكتبه ساعة،ويدخل "غاره الإداري" ليزن الأهداف ويصحح

المسار، فالعزلة عند أولي الألبابوالنهى ليست هروʪًمن الواقع، بل غوصاًفي أعماق السنن، وليست ترفاً، بل

ضرورة Ϧسيسية وقفزة Ϧملية، فمن لم يختلِبنفسه ضاعت رؤيته، ومن لم يراجع تصوراته تشوشت خطته، ومن لم

يتدبر في عواقب أمره أصبح من النادمين. فصاحب البصيرة يخاطب نفسه بلسان حاله: لا يكن يومككله

اجتماعاًفتعمى،ولا يكنكله خلوة فتعجز؛ بل اجمع بين الغاروالديوان، بين التأمل والبيان.

وليكن حظك موفوراًمن صلابة الغاية ومرونة الوسيلة؛ فالغاية شاخصةواحدة ظاهرة متفردةوهي إقامة

القسط وسعادة الإنسان، أما الوسائل فمتغيرة؛ مرة يُشق البحر بقدرة،ومرة تُقطع البيداء بخطة،ومرة يُتخذ الغار

ستراً.والقائد الرشيد لا يُوثَق ʪلوسائل حتى تُوثَق به المؤسسة،ولا يُقدّس الآليات حتى تُقدَّس على حساب الغاية؛

فإذا عثرت الوسيلة لم تعثر الرسالة، وإذا انكسرت الآلة لم تنكسر الفكرة، فيظل مستمسكاًبحبل اليقين "إن معي

ربي"، رشيقاًفي الجواب، راسخاًفي الخطاب، يجيب عن سؤال الكيف ϥنوار "سيهدين"، فالوسائل خادمة لا

مخدومة،وآلات لا غا ʮت، فإن فشلت استُبدلت،وإن انكسرت جُبرت،وإن ضاقت وُسّعت؛ فلا تقدّس الوسيلة

فتموت معها،وقدّس الغاية فتحيا đا،وكن على يقين أن المرونة في الآلاتوالصلابة في المبادئ.

و đذا تتحول من عابر إلى صانع؛ فمن أراد صناعة جيل وإدارة أزمة، فليلزم محراب مدرسة الغاروالبحر؛

يتعلم من المحمدية إحكام التخطيطوهندسة البدائل،ويتعلم من الموسوية ثبات العقيدةوالصلابة فيوجه الخطيئة.

وحينها يوقن أن الأزمات ليست مقابر مشاريع، بل مخاضولادات؛ فالبحر الذي أغرق أحلام الخاطئين هو ذاته

الذي حمل الكليم إلى ضفة الرسالة،والغار الذي حوصر فيه النبي هو ذاته النافذة التي أطلت منها أنوار الحضارة.

فلا تتهيّب البحر المتلاطم،ولا تبتئس بضيق الغار، فمعهرب يقول "سيهدين"ومعه منهج يصدح "لا تحزن".

وهذا المزيج السننيكفيل ϥن يحول الإداري من عابر في التاريخ إلى صانع له ومؤسس لأمجاده، فالتاريخ

لا يكتبه الخائفون من البحر،ولا اليائسون في الغار، بل يكتبه الذين أخذوا ʪلأسباب وعلقوا القلوب ʪلمسبب.

فلا تخف بحرك فيغرقك،ولا تضق بغارك فيحبسك؛ خذ ʪلأسباب وعلق قلبك، فمع اليقين ينشق البحر، ومع

التخطيط يفتح الغار،وموعد المخلصين مع الفرج الصبح، أليس الصبح بقريب.

ليست هناك تعليقات