تسابيح الغار وظلال المدينة: فلسفة التسويق القيمي في زمن الجفاف الحضاري

 



بقلم :ا.د محمد عبد الرحيم البيومي

لا يخفى على ذوى الألباب والبصائر أن سر المشاريع الباقية في عصرنا، كما كان سر الهجرة بالأمس، معادلة واحدة لا تقبل المساومة: جمع بين فقه الأسباب استفراغاً، وفلسفة الغايات ائتماناً. فالخطة بلا روح جسد بلا قلب، والروح بلا تدبير قلب بلا جسد. وكلاهما موت ليس بعده حياة . والهجرة النبوية حين نعرضها على ميزان الإدارة المعاصرة، نجدها ليست مجرد حدث تاريخي مر فى ذاكرة الزمان، بل مدرسة متكاملة في "إدارة المشاريع الحرجة"؛تلك التي تُنفذ تحت ضغط الزمن وتهديد الفشل وشح الموارد فى اللحظات الفارقة فى حياة الأمم، لتشهد أن الإدارة في الإسلام ليست كفاءة تقنية جافة لاتسرى فيها روح الحياة، بل عبادة حضارية تربط سنن الأرض بمقاصد السماء. ولعل مما يعين على تفهم ذلك جدلية الماضى والحاضر والتى تتمثل فى عدد من المعطيات منها:


1. تحليل أصحاب المصلحة: من دار الندوة إلى صحيفة المدينة.

لقد اجتمع سادة قريش في دار الندوة فمارسوا أقبح أنواع التحليل: تحليل الإقصاء الذي لا يرى في الآخر إلا خصماً يجب كسره. نظروا إلى المشروع الجديد بعين المادة، فوجدوه تهديداً لمصالحهم، فحكموا عليه بعدمية  تسبق الميلاد . فديدن أصحاب النظرات القاصرة وأد الإبداع الذى لا يتناسب مع رؤيتهم الضيقة،

أما القيادة النبوية الملهملة فحين هاجرت إلى المدينة، قلبت معادلات التحجر رأساً على عقب. فما نظرت إلى الناس كخشب مسندة تُكسر وتُصف، بل نظرت إليهم بعين الائتمان الإنسانى والحضارى والأخلاقى فى ذرى عليائها، فدرست طبائعهم، وفهمت أوجاعهم، واستخرجت من اختلافهم نقطة اتفاق تمثلت فى  الأمن المشترك الذى ينشده الإنسان فى صحراء فكره وقرارة نفسه. ومن ثم كتبت "صحيفة المدينة" ميثاقاً إنسانياً قبل أن يكون سياسياً، يحفظ التعدد ولا يبتلع روحانية الإنسان

*وهنا تتجلى  قاعدة ذهبية فى استراتيجيات القيادة*: قبل أن تكتب خطة عملك، اغسل عينيك من نظارة المصلحة الإقصائية. وانظر إلى الناس كشركاء في المصير لا أدوات في يدك. اسألهم بصدق: ما الذي يخيفكم؟ وأي قيمة تبحثون عنها؟ فأعظم العقود ما جعل من المختلفين حراساً لكيان واحد، ومن ثم ينفث فى روعهم بأنك مؤتمن على كرامتهم قبل أن تطالبهم بولائك لوجهة نظرك.

*2. إدارة المخاطر: بين سراقة والوعي بالسنن. 

لكل مشروع في طريقه "سراقة" يخرج فجأة من منعطف الطريق كمخاطرة لم تكن في الحسبان. لق رصدت قريش مئة ناقة لمن يطفئ نور الفكرة، وهكذا يفعل المال فى مضمار الصراع الاقتصادى: يرصد  لإفشال كل جديد يهدد المصالح فى دائرة الأنا الذاتية.

فكيف واجهت إدارة المخاطر فى الهجرة هذا الخطر؟ الواقع أن القيادة النبوية الواعية والمؤيدة لم تنكره إنكار العاجز، ولم تركن إلى التواكل باسم التوكل. بل جمعت بين السبب واليقين جمعاً محكماً. فكان الغار خطة طوارئ، والدليل الخبير استشارة كفاءة، وماحي الأثر إدارة ميدانية للمخاطر. 

ولكن العبقرية الحقيقية ظهرت في معاملة سراقة نفسه. لم يُسحق بمنطق "نحن وهم"، بل تُحوّل بوعد "سواري كسرى" من مطارد إلى شاهد على صدق الوعد. *هذه هي الإدارة القرآنية: لا تدفع الشر فحسب، بل تحوله خيراً*. فالعميل الغاضب والمنافس الشرس، إذا فهمت دوافعه واستوعبت منطقه، صار حليفك الأول. والهجرة تصرخ في وجه كل يائس: لا تهرب من التحدي، واشتبك مع الواقع بوعي السنن، وشكله بيدك حتى يخدم غايتك، دون أن تبيع إنسانيتك في طريق داعبتك فيه جنان  النهاية عند أعتاب البداية .

*3. القيادة المتفاعلة: في زمن الغار.*  

ثلاث ليال في الغار، ومع ذلك لم تكن عطلة ولا هروباً. بل كانت "قيادة متفاعلة" فى أتم معانيها: غاية ثابتة كالجبال، ووسائل مرنة كالماء. لم توجد خطة تفصيلية صماء، بل هدف مرحلي واضح: النجاة حتى تهدأ العاصفة. وعلى أساسه كان اللقاء اليومي القصير: خبر من الليل، وزاد من النهار، وتعديل للخطوة بحسب الواقع ومستجداته.

*وهذا رد على مرض يمكن أن نطلق عليه فى تعارفنا الاصطلاحى (عبادة الخطة*) فالمشاريع لا تموت لنقص الورق، بل لموت العقل الحي فيها. والبدائل التفاعلية ليست فوضى، بل مرونة مسؤولة تجعل الخطة خادمة للإنسان، لا الإنسان عبداً للخطة.

*4. اقتصاد الوفرة: في نظام المؤاخاة*.  

لعل من أوهام  الاقتصاد المادي الكبرى حتمية الندرة فى الموارد، وأن الإنسان لأخيه الإنسان ذئب يتربص بوجوده. فجاءت المؤاخاة لتعصف بهذه التخيلات المرضية ملحقة إياها بأوهام العنقاء. فوالله ماسمعنا بأنصارى يقول لأخيه  لأخيه: سأقسم رزقي فيضيق بنا، بل قال بقلب المؤمن الواثق: *"خذ نصف مالي، وخذ نصف داري"*.

فانتقل المجتمع بهذا من سوق التملك إلى سوق الأخوة. وما ذلك إلا ليقين ترسخ أن المال أمانة، والوفرة ثمرة. والمؤاخاة كانت أول حاضنة أعمال في التاريخ: زوجت الخبرة بالثقة، والأخوة بالسوق، فولد كيان اقتصادي هو نواة المدينة بنورها والمدنية ببريقها . 

ومن ثم كان الميزان الذي ضلته البشرية: لا اشتراكية تمحو الحافز فتميت الإنسان، ولا رأسمالية متوحشة  تطلق الغريزة فتهدم البنيان. بل "اقتصاد الأخوة" القائم على أن  ربح مشروع مقيد بالقيم، وتكافل واجب، ونماء ثمرة شراكة لا غبن فيها ولا استغلال .

*5. فلسفة الغاية: الهجرة فعل ائتماني متجاوز*.  

لعل من أفات الإدارة المعاصرة فى توهجها الاقتصادى أنها جعلت الربح إلهاً، والإنسان وقوداً لهذا الإله. أما الهجرة فكانت حركة مقدسة لحفظ أمانة الرسالة وصون كرامة الإنسان. لم تكن هرباً، بل انتقالاً استراتيجياً من دار الفتنة إلى دار  القرار والاستقرار.

*ومن ثم كانت تساؤلات الكينونة والذات قبل تساؤلات  الأرباح*: ما الأمانة التي أحملها في عنقي؟ هل أنا تاجر سلع تزول، أم حارس لقيم تبقى؟ هل شركتي صندوق لجمع المال، أم بيئة لصناعة الإنسان؟ فإذا تحولت غايتك من الربح المجرد إلى الأمانة فى تمثالاتها الإنسانية، تغير وجهك مع العميل، ويدك مع الموظف، وقلبك مع المجتمع. فالمشاريع الخالدة هي التي ترفض بيع ضمائرها بدراهم معدودة،أو تكون فى قيم الأخلاق من الزاهدين.


*6. بناء النظام المتكامل: مأسسة الأفكار*  

فالهجرة ما كانت يوما  دمعة عاطفية، بل "مأسسة للأفكار". شيدت نظاماً متكاملاً يقوم على  أركان ثلاث:  

ركن الغاية: وهو روح المشروع وبوصلته. فعمل بلا غاية يتجاوز المادة، ويسقط العمل في العدمية والرتابة.  

ركن العقد: وتمثله صحيفة المدينة فى سياجها الأخلاقي الذى يحمي التعدد ويمنع النزاع قبل وقوعه.  

ركن المؤسسة:ولعنا نلمحه فى المسجد كجامعة وبرلمان وغرفة عمليات، ومن ثم يتأتى الرفض القاطع للفصل بين المحراب والسوق،فقيم السوق مبدأها محراب يتعبد فيه الإنسان ومن خلاله تتكون  شخصية التاجر الصدوق 

فالإدارة ليست جداول وميزانيات فحسب، بل بناء كائن حي: له روح في الغاية، ودم في الأخوة، وعقل في التخطيط، ويد في التنفيذ،وهى ما يمكن أن نطلق عليه (إدارة الاقتصاد القيمى)


*7. فقه الأولويات: الثبات أمام المشتتات.*  

أخطر ما يهدد المشاريع اليوم "سيولة القيم" وتضييع الأولويات تحت بريق العروض. لقد عرضت قريش الدنيا كلها: مال وجاه وملك، فجاء الرد الذي يزلزل الجبال: *"والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته"*.

من هنا ندرك أن لكل مشروع شمس وقمر: شمس ربح سريع حرام حقت عليهةكلمة الحرمة، وقمر شهرة جوفاء عاجلة. ومن لم يرسخ مركزيته القيمية، باع دينه بدنيا غيره.

*8. التسويق القيمي: من الشيئية إلى نبل الرسالة.*  

ففي سوق المادة تتكون فلسفة الغاب لدى الأقوياء، فيتحول الإنسان مستهلكاً والمنتج صنماً. لكن) أسماء* وهي تشق نطاقها في ظلمة الليل تحمل الزاد، تعلمنا درساً آخر: لا تبع سلعة، بل بع معنى. 

والأحرار من الناس لا يشترون  حديداً ، بل يشترون كرامة مصانة وحياة أرفع. فإذا فهم فريق العمل أنهم حملة رسالة لا باعة بضاعة، تحول البيع من مناورة تجارية إلى عبادة أخلاقية. ومن باع للناس معنى، اشترى قلوبهم إلى الأبد.

*9. إدارة التغيير بروح إنسانية: من مكة إلى المدينة*  

لعل من أصعب اللحظات في عمر المؤسسات لحظة الانتقال من إلف ذاقوا ثمرته إلى غيابات تدور بين الرجاء والتمنى، فالمهاجرون تركوا الوطن والتاريخ، والأنصار استقبلوا مجتمعاً جديداً يتشاركون فيه المورد والقرار. فارتكزت الإدارة على ثلاث شعب: 

أن الاعتراف بالألم: لا يُكبت الحنين، بل يستوعب الجرح الدفين. لهذا أمكننا القول أن التغيير يبدأ بمسح الدمعة قبل رسم الخطة. 

صناعة هوية جامعة: فالمؤاخاة لم تذيب الخصوصيات الثقافية، بل صنعت مظلة "المهاجرون والأنصار" تحفظ الأصل وتمنح الانتماء. 

سرعةقطف الثمار : فمسجد يُبنى، وميثاق يُصاغ، وسوق يُنظم، ليثبت للقلوب أن العناء يستحق فى طلبه،وأن من تجاهل دمعة فريقه، فقد ولاءه قبل أن يفقد مشروعه.

وبعد :                                    فمن غار ثور إلى غرف التفكير 

تكمن أثمن  دروس الهجرة التى علمتنا "الخلوة الاستراتيجية" فالغار لم يكن حجراً نختبئ فيه، بل محراباً نفكر فيه. وغرفة بعيدة عن ضجيج الميدان، نربط فيها حركة الظاهر ببصيرة الباطن.

وفي عصرنا المليء بالضجيج والإشعارات، يحتاج كل صاحب رسالة إلى غار ثور يختلي فيه مع نفسه لا هروباً بل مراجعة يسائل نفسه: ما مساري الحقيق؟ ومن سراقة الذي سيظهر وكيف أحوله إلى قوة ناهضة؟ وما الأمانة التي أحملها للعباد والبلاد؟ وهل أبني نظاماً مستداماً أم سراباً مؤقتاً؟

فالهجرة ليست ذكرى تُروى، بل منهجية تُحيى: حلل بعين الائتمان، وقدر بميزان السنن، فكن ذا إيجابية مرنة في الوسائل ثابتاً في الغايات، وابن اقتصادك على الوفرة لا الندرة، واجعل غايتك أمانة لا ربحاً، وابن نظاماً يزاوج المادة بالروح، وحدد أولوياتك بصرامة الجبال، وأدر التغيير برحمة القلوب،وتذكر فى رحلتك أن كسب القلوب أولى من كسب المواقف،وأن من لم يعتبر بالناس اعتبر الناس به،ومن لم يتدبر فى العواقب أصبح من النادمين.

ليست هناك تعليقات