الدكتور عبد الفتاح العواري: الهجرة النبوية ليست انتقالًا من مكان إلى مكان فحسب.. بل منهج حياة لحفظ الدين وبناء الإنسان




 كتبت سلوي عثمان 

أكد الدكتور عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين الأسبق وخطيب الجامع الأزهر، أن الاحتفاء بذكرى الهجرة النبوية الشريفة يمثل وقفة إيمانية مهمة لاستلهام الدروس والعبر من حدث غيّر مجرى التاريخ الإنساني، ورسخ معاني التضحية والثبات والصبر والثقة المطلقة في الله تعالى.

وأوضح العواري أن الهجرة النبوية لم تكن حدثًا عابرًا في حياة الأمة، وإنما كانت نقطة تحول كبرى انتقل بها الإسلام من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع، مؤكدًا أن الله سبحانه وتعالى جعل الهجرة سنة من سننه في خلقه، وكتبها على عدد من أنبيائه ورسله حين ضاقت بهم الأوطان وكثرت عليهم المؤامرات.

وأشار إلى أن القرآن الكريم حدثنا عن هجرات الأنبياء قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى على لسان نبي الله إبراهيم عليه السلام: «إني مهاجر إلى ربي»، كما قص علينا خروج نبي الله موسى عليه السلام من مصر حين قال سبحانه: «فخرج منها خائفًا يترقب»، مبينًا أن هذه النماذج تؤكد أن الله تعالى لا يتخلى عن أوليائه ورسله مهما اشتدت المحن، بل يهيئ لهم من أمرهم رشدًا ويجعل بعد العسر يسرًا.

وأضاف أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم جاءت بعد سنوات طويلة من الأذى والاضطهاد الذي تعرض له وأصحابه في مكة المكرمة، حيث دبر المشركون المؤامرات للنيل منه والقضاء على دعوته، لكن الله سبحانه وتعالى حفظ نبيه وأيده بنصره، فكانت الهجرة بداية مرحلة جديدة من التمكين والانتشار.

وقال العواري: "الهجرة لم تكن هروبًا أو فرارًا، وإنما كانت خروجًا بأمر الله تعالى لحفظ الرسالة وصيانة الدين، ولذلك وصف القرآن الكريم ما جرى بقوله تعالى: «إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا»، وهي آية تجسد معاني الثقة واليقين والتوكل على الله في أشد اللحظات حرجًا."

وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب أروع الأمثلة في الشجاعة والثبات أثناء رحلة الهجرة، فلم تضعف عزيمته أمام ما أحاط به من أخطار، بل ظل واثقًا في معية الله ونصره، حتى أصبحت الهجرة درسًا خالدًا للأمة في كيفية مواجهة الأزمات والتحديات.

وأكد خطيب الجامع الأزهر أن مفهوم الهجرة في الإسلام لا يقتصر على الانتقال الجغرافي من مكان إلى آخر، بل يحمل معنى أوسع وأشمل، يتمثل في هجرة المعاصي والذنوب والأخلاق السيئة إلى الطاعات والقيم النبيلة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».

وأضاف أن الأمة اليوم في حاجة إلى استحضار هذا المعنى العظيم للهجرة، من خلال هجرة الكسل إلى العمل، واليأس إلى الأمل، والفرقة إلى الوحدة، والانحراف إلى الاستقامة، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من هجرة الإنسان لكل ما يغضب الله تعالى، وتمسكه بمنهج الإسلام الوسطي القويم.

كما أشار إلى أن القرآن الكريم حذر من التخاذل عن نصرة الحق وأهله، مستشهدًا بما ورد في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك، حيث قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض»، ثم توعد المتقاعسين بقوله سبحانه: «إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم»، لافتًا إلى أن نصرة الدين وتحمل المسؤولية من أعظم الدروس المستفادة من الهجرة النبوية المباركة.

واختتم الدكتور عبد الفتاح العواري حديثه بالتأكيد على أن الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية يجب ألا يقتصر على الكلمات والاحتفالات، وإنما ينبغي أن يتحول إلى مشروع عملي لإحياء قيم الإيمان والعمل والبذل والتضحية، مستلهمين من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام معاني الصبر والثبات واليقين، حتى تبقى الهجرة مدرسة متجددة للأجيال في كل زمان ومكان.

ليست هناك تعليقات