نائب رئيس جامعة الأزهر: المعاملات ينبغي أن تحكم بأخلاقيات الإسلام وقيمه القائمة على العدل والرحمة، لا بمنطق المنفعة المجردة وحدها
خلال الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر:
الدكتور أحمد لطفي: التشكيك في الأحكام الصادرة عن المؤسسات العلمية المعتبرة دون علم أو تأصيل يمثل آفة من آفات هذا العصر
عقد الجامع الأزهر اليوم الاثنين، اللقاء الأسبوعي للملتقى الفقهي (رؤية معاصرة) تحت عنوان: "فقه المعاملات.. عقد الإجارة وتطبيقاته المعاصرة "رؤية فقهية": بحضور أ.د رمضان الصاوي نائب رئيس جامعة الأزهر، وأ.د أحمد لطفي زكي، رئيس قسم الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدسوق، وأدار الملتقى الإعلامي سمير شهاب، المذيع بالتلفزيون المصري.
في بداية الملتقى، أكد فضيلة الدكتور رمضان الصاوي أن الأصل في المعاملات هو الحل والإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه بنص صريح، مشيرا إلى أن عقد الإجارة يعد من العقود المشروعة التي تقوم على منفعة معلومة قابلة للبذل والإباحة، بما يحقق مصالح الناس وينظم تعاملاتهم، هذه المعاملة يجب أن تقوم على الوضوح ورفع الجهالة، حتى لا يقع نزاع بين الأطراف، كما أن الشريعة الإسلامية أولت عناية كبيرة بتنظيم العقود بما يحقق العدالة ويمنع الغرر والضرر بين الناس.
وبين نائب رئيس جامعة الأزهر، أن عقد الإجارة كغيره من العقود له أركان وشروط تضبط صحته، فهي إجمالا: العاقد، والمعقود عليه، والصيغة، وتفصيلا هي: أن تكون الإجارة على منفعة مشروعة ومعلومة، وأن تكون مؤقتة بزمن محدد، وألا تكون المنفعة مستوفاة قبل العقد، مع جوازها إن كانت العين تابعة لا أصلية، كاستئجار المرضعة للرضاع، وأن تكون الأجرة معلومة خالية من الجهالة، لأن الجهالة فيها تؤدي إلى الغرر المنهي عنه في العقود، وأن تحدد الأجرة إما بزمن معلوم أو بعمل محدد، بما يضمن وضوح الحقوق والواجبات بين الطرفين.
وأضاف نائب رئيس جامعة الأزهر أن الشريعة الإسلامية شددت على حفظ حقوق الأجراء، وقررت مبدأ سرعة أداء الأجور وعدم المماطلة فيها، لما في ذلك من تحقيق العدل ورفع الظلم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، والفاء في الآية تفيد التعقيب، بما يشير إلى وجوب المسارعة في إعطاء الأجير حقه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"، وهو توجيه نبوي صريح يحث على سرعة الوفاء بحقوق العمال وصون كرامتهم، كما أن المماطلة في إعطاء الأجير حقه من صور الظلم التي توعد الشرع أصحابها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة…وذكر منهم: "ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره"، وهذا الوعيد يدل على خطورة التعدي على حقوق الأجراء، والالتزام بهذه التوجيهات الشرعية يعزز الثقة بين أطراف التعاقد، ويحقق الاستقرار في المعاملات، ويجسد القيم الأخلاقية التي جاء بها الإسلام في تنظيم شؤون الحياة.
وذكر فضيلة الدكتور رمضان الصاوي أن عقد الإجارة لا يحقق مقاصده إلا إذا التزم كل طرف بما له من حقوق وما عليه من واجبات، إذ إن ذلك هو السبيل إلى تحقيق العدالة بين المتعاقدين، لأن استغلال أحد الطرفين للآخر يؤدي إلى وقوع الضرر والإخلال بالتوازن الذي جاءت الشريعة لحفظه، مشددًا على أن المعاملات ينبغي أن تحكم بأخلاقيات الإسلام وقيمه القائمة على العدل والرحمة، لا بمنطق المنفعة المجردة وحدها.
من جانبه، قال فضيلة الدكتور أحمد لطفي زكي إن التفرقة بين عقد الإجارة والعقود المشابهة له تمثل إشكالية حقيقية في الواقع المعاصر، كما أن الخلط بينها يرجع إلى عدم قدرة البعض على التمييز بين صور العقود كما عرضها الفقهاء في كتبهم، وبين الصور المستحدثة التي أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكا، موضحا أن هذه الإشكالية تظهر بوضوح عند عرض النوازل على لجان الفتوى، حيث تخضع لدراسة دقيقة ومتأنية لاستخراج الحكم الشرعي المناسب لها، مؤكدًا أن التشكيك في الأحكام الصادرة عن المؤسسات العلمية المعتبرة دون علم أو تأصيل يمثل آفة من آفات هذا العصر.
وأشار فضيلته الدكتور أحمد لطفي إلى أن تطور الحياة يقتضي بالضرورة تطور صور العقود بما يتناسب مع مستجدات كل زمان، حيث إن هذه الصور الحديثة تتضمن تفصيلات دقيقة قد يترتب على كل منها اختلاف في الحكم الشرعي، فعلي سبيل المثال عقود الشركات، كانت في الماضي بسيطة ومحدودة بين فردين أو ثلاثة، بينما أصبحت اليوم أكثر تعقيدا وتداخلا، وقد تضم آلاف الشركاء، دون أن يجتمعوا في مجلس واحد كما كان سابقا، كما تطورت صور رأس المال وطرق دفعه، وضبط هذه العقود في صورتها المعاصرة يتطلب دراسة فقهية عميقة تراعي واقع الناس وتحقق مقاصد الشريعة في المعاملات.
وأكد فضيلة الدكتور أحمد لطفي، أن عقد الإجارة في أصله من العقود اللازمة التي تترتب عليها آثار ملزمة للطرفين، فلا يجوز لأحدهما الانفراد بتعديل بنوده أو فسخه دون رضا الطرف الآخر، لما في ذلك من إخلال بمبدأ استقرار المعاملات وإضرار بالحقوق المكتسبة، وهذا اللزوم يحقق التوازن بين الطرفين، ويمنع التلاعب أو الإضرار، خاصة في العقود التي تقوم على منافع ممتدة زمنا، كعقود الإيجار والعمل، مبينا أن التغيير في عقد الإجارة جائز شرعا إذا تم بالتراضي بين الطرفين، سواء كان هذا التعديل واردا على بنود العقد القائم، كزيادة الأجرة أو تقليل المدة، أو كان عن طريق فسخ العقد الأول برضا الطرفين ثم إبرام عقد جديد بشروط مختلفة، وهذا كله يدخل في إطار قاعدة "التراضي أساس التعاقد"، مع ضرورة وضوح الشروط وانتفاء الجهالة، بما يضمن حفظ الحقوق ويمنع النزاع بين المتعاقدين.

ليست هناك تعليقات