" نحو ثقافة الوَعْيّ بحماية اللسان العربي" (7) .
بقلم الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي
رئيس الإدارة المركزية لشؤون التعليم بقطاع المعاهد الأزهرية
إن اللغة العربية في يومها العالمي إنما تستوجب علينا جميعًا أن نعيد التذكير بمكانتها وبيان رفعتها، بل ونحميها من النزول والتبذل، فهي لغة القرآن، وشرف الإيمان، وقد تكلم عنها أكابر العلماء، يقول الإمام الشافعي - رحمه الله- وهو بصدد تصنيَف العلوم قدرًا وشرفًا: " من تعلَّم القرآنَ والتفسير عظُمَت قيمتُه، ومن نظر في الفقه نَبُل مقدارُه، ومن كتب الحديثَ قَوِيَت حجَّتُه، ومن نظر في اللّغة رَقَّ طبعُه- أى تعلم العربية – ومن نظر في الحساب جَزُلَ رأيُه، ومن لم يَصُنْ نَفْسَه لم يَنْفعه علمُه"(الإمام المُزَني عن الإمام الشافعي)، وكأن الناظر في اللغة العربية، الناهل من علومها، والمحصِّل لفنونها، قد استجمع محاسن العادات وجميل الصفات، فكان في عِلمه عميقًا، وفي عَمله دقيقًا، وفي طَبْعِه رقيقًا، وفي أدبه رفيعًا، وفي أخلاقه عظيمًا، وفي عطائه كريمًا، وفي مظهره أنيقًا، وفي حديثه لطيفًا، وفي سؤاله مُرِيحًا، يقول أحد الحكماء إذا سألت - أى عند الحاجة- فسأل أصيلًا فإن لم يعْطِك أراحك، أى أراحك بلين جانبه، وجميل كلامه، ولطف حديثه، وقد قيل أيضا: " أضيئوا أرواح الناس بطيب الكلام"، وطيب الكلام لا يكون إلا بلغة عربية سامية، وألفاظ عذبة صافية، وعليه فإن ثقافة االوعى بأهمية اللغة العربية، واستبقاء أصولها وقواعدها، وبيان منزلتها ورفعة مكانتها بين لغات العالم أمر يستلزم قطعًا إيمان أهلها بدوام نشرها في الأوساط المختلفة، وبيان ضروبها وفنونها، وتناقل مفرداتها ومعارفها، في المجتمعات الإنسانية، وساحات المؤتمرات الدولية، والمنتديات الإقليمية والعالمية، فضلًا عن بيان جمالها في تهذيب الأخلاق وترقيق الطباع الإنسانية، حقًا نحتاج الآن - في ظل تراجع المنظومة الأخلاقية بعض الشيئ- إلى مرونة الحديث، وجمال المنطق، ولين الكلام، وتقارب الأجناس، وتعارف الشعوب، من أجل جمع الكلمة، ودوام الألفة، وتوحيد الأمة، وإظهار الوحدة، واستدامة القوة والمنعة، وتناقل المعرفة، من هنا فقد وجب التأكيد على ضرورة تعلم العربية، ونشر ثقافتها في مجال التعليم والتعلم، بيانًا لأهميتها، وتعظيمًا لقدرها وعلو شأنها، وذلك في وجدان المجتمع بأكمله، تقديرًا لها وتوقيرًا، اعتزازًا بها وإجلالًا، فاللغة العربية أداة التخاطب بين الناس كافة ومفتاح الفهم والبيان، قال الله تعالي:﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: 1 - 4]، اللغة العربية أرفع اللغات قدرًا، وأعلاها منزلة، فمن تعلمها فقد صان حديثه من الخطأ، وحفظ كلامه من الزلل، وفهم مراد ربه من خطابه وكلامه، وحكمته من إنزال كتبه، ومقصوده من إرسال رسله، فهي أرسخ اللغات ثباتًا وأوسعها بيانًا، ولقد حفظها الله بحفظ كتابه، فقال تعالي:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[الحجر: 9]، وهي أية من آيات الله – سبحانه- في اختلاف اللسان وثبات البيان، الدالة على عظيم قدرته، ورفعة بيانه، وجمال إبداعه، وإتقان صنعته، واختلاف خلقه في ألسنتهم وألوانهم، مع ثراء حديثهم، وجميل بيانهم، وتعدد لهجاتهم، وكثرة مفرداتهم، وتنوع معارفهم، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ﴾[ الروم: 22]، وقال أيضًا: ﴿ إنَّا جعلناهُ قرآنًا عربيًّا لعلّكم تعقلون ﴾ [الزّخرف:3]، وعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللهُ عَنْه- قَالَ: " تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ، فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي الْمُرُوءَةِ "( شعب الإيمان 3/ 210)، وكتب إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - فقال: "تفقَّهوا في السُّنَّة، وتفقَّهوا في العربية، وأعْرِبوا القرآن فإنَّه عربي"، وقال سليمان بن عبد الملك: " العاقل أحرص على إقامة لسانه منه على طلب معاشه" [ المجالسة لابن قتيبة 4/477]، وقال ابن شبرمة: " إذا سرك أن تَعْظُمَ في عين من كنت في عينه صغيرًا ويصغر في عينك من كان في عينك عظيمًا فتعلَّمِ العربية فإنها تُجريك على المنطق وتُدنيك من السلطان" (عيون الأخبار 2/ 172، ويقول أحمد شوقي: " إن النصح ثقيل فلا ترسله جبلًا ولا تجعله جدلًا "( أسواق الذهب لأحمد شوقي، ص 117)، من هنا فقد وجبت اليقظة والحكمة في ضرورة تعلم العربية، ونشر ثقافتها في مجال التعليم والتعلم، فضلًا عن بيان أهميتها وعظيم قدرها في المجتمع بأكمله، تعليمًا وتعلمًا، مخاطبة وتحدثًا، ومن ثم يجب أن يتناقل المجتمع حب اللغة العربية والتزام جمالها، فتعلو بذلك الطباع الإنسانية، ويزكو بها صفاء الأنفس البشرية، في لين جانبها، ولطيف تصرفها، وجميل لسانها، وتقدم أهلها، ورفعة علومها واتساع ثقافتها.
#الأزهر_الشريف
#قطاع_المعاهد_الأزهرية
#الصفحة_الرسمية_للمكتب_الفني
ليست هناك تعليقات