في استثمار الطاقات المعطلة



بقلم الدكتور  محمد قاسم المنسي استاذ الشريعة الاسلامية جامعة القاهرة 


2-2 نظرية التحدي والاستجابة 

                                    -1-

من النظريات العلمية التي استوقفتني مؤخرا لفهم الحياة عموما  ، والتاريخ الانساني خصوصا ، نظرية المفكر والمؤرخ الانجليزي ارنولد توينبي ت1975م ، والتي سماها (نظرية التحدي والاستجابة) ، والتي تعتبر المفتاح الأساس لدي توينبي  في دراسة التاريخ الذي ينظر إليه باعتباره سلسلة من التحديات والاستجابات  ،  وماهذه  التحديات الا ظروف طبيعية قاسية ، أو ضغوط بشرية خارجية أو داخلية..لذلك اعتبر أن الظروف الصعبة لا السهلة هي التي تستثير في الأمم قيام الحضارات ، وان التحدي هو نقطة البداية في عملية التحول الحضاري .

                                  -2-

ولقد تحاورت مع نظرية توينبي وانتهيت الي أنها أصابت في تفسير التاريخ الانساني والظاهرة الإنسانية ، باكتشاف نظرية التحدي والاستجابة ، إذ واجهت الإنسان منذ لحظة هبوطه علي الارض تحديات كثيرة ، لكن هذه النظرية ككل النظريات المتصلة بالحياة والكون والإنسان تدور في اطار التفسير العقلي لما جري ويجري في الحياة والتاريخ الانساني ، 

والتفسير العقلي وحده لايغني في فهم الظواهر الفردية والاجتماعية ، لان هناك تفسيرا آخر هو التفسير الديني القرآني الذي يقرر أن الحياة علي الارض خلقت للابتلاء كما في قوله تعالي:

(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملا)

وقوله تعالي: (انا جعلنا ما علي الارض زينة لها 

لنبلوهم ايهم احسن عملا) 

وعلي هذا فإن التفسير القرآني للحياة والتاريخ هو أن الإنسان خلق ليبتلي ، اي ليتعرض لمواقف وصعوبات تختبر قدراته العقلية والنفسية والايمانية ، كما يضيف الي ماسبق أن الله تعالي هو مصدر الابتلاء ومنبعه ، كما في قوله تعالي (انا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة....)

وقوله تعالي (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه....)

                                    -   3  -

واذا كان (التحدي)يستدعي (الاستجابة ) اوالحركة والتصدي للظروف الصعبة ، طبقا لنظرية توينبي ، فإن (الابتلاء) طبقا للتفسير القرآني يزيد علي مجرد الاستجابة ، فيكشف للإنسان عن القوة الاكبر والإرادة الفاعلة ، صاحبة القول الفصل في كل ماجري ويجري علي الارض من أحداث أو صعوبات ، ومن ثم تتحرك ، في ضوء هذا التفسير ، الطاقة الإيمانية مع الطاقة العقلية استجابة للابتلاء لمواجهة الظروف الصعبة التي يتعرض لها البشر في هذه الحياة مثل الأمراض أو الطبيعة القاسية أو المشكلات الصحية أو والأسرية اوالازمات الاجتماعية والاقتصاديةاوالحروب أو الكوارث الطبيعية.

ومن هنا يبدو الفارق الحضاري بين التفسير العقلي للظروف الصعبة والتفسير القرآني لها والذي يجعل (الصعوبات والمتاعب)مظهرا من مظاهر العناية الإلهية والدور الإلهي في حياة البشر ، ليستخرج من خلالها افضل ماعندهم أو حسب التعبير القرآني : ايهم احسن عملا

وهكذا يمكن القول بأن التاريخ الانساني هو سلسلة من الابتلاءات ، بكل انواع الصعوبات ، لاستخراج افضل ماعند البشر من طاقات ..

#

هناك تعليق واحد:

  1. هل يمكن أن نفهم مسيرة الإنسان في التاريخ على أنها مجرد سلسلة من “تحديات واستجابات” كما رأى أرنولد توينبي، أم أن الرؤية القرآنية تضيف بعدًا أعمق يجعل من هذه التحديات ابتلاءات إلهية تهدف إلى اختبار الإيمان والعقل معًا؟ وكيف يمكن الجمع بين التفسير العقلي للتاريخ الذي يركز على دور الإنسان في مواجهة الظروف الصعبة، والتفسير الديني الذي يربط تلك الصعوبات بإرادة الله وحكمته؟ ثم هل نستطيع القول إن الحضارات لا تقوم فقط نتيجة الاستجابة للتحديات المادية، بل نتيجة تفاعل الإيمان مع الفكر في توجيه تلك الاستجابة نحو الخير والإعمار؟ وما مدى تأثير هذا التكامل بين العقل والإيمان في بناء حضارة متوازنة لا تنحاز للمادة وحدها ولا تهمل روح الإنسان؟
    (بسمله محمد أحمد إبراهيم حسن)

    ردحذف