النائحة المستأجرة
بقلم د/ محمد عطيه الرزيقي
(مدرس علم اللغة بكلية الألسن الغردقة
عالم مليئ بالنفاق حتى في أمور الآخرة إلا من رحم الله
مما نراه كل يوم في حياتنا التي نحياها فيها من الصدق وفيها من النفاق والنفاق قد أخذ مكانه ووطّد لمعناه ، فتجد الناس ينافقون حتى في الموت ، إن كانت الجنازة لرجل غنى أو معروف بين الناس تجد المنافقين يحملون الجنازة ويبكون ويتباكون وتكاد قلوبهم تنفطر من كثرة البكاء وهى دموع التماسيح ، أما في جنازة الفقير البسيط لا تجد من يشيع جنازته وإن وجدت من يشيع جنازته لا تسمع إلا همسًا ومن يبكى هو أهل الميت : أبناؤه أو زوجته وبكاؤهم يكون لأمرين أحدهما لفراق والدهم أو والدتهم والأمر الآخر بكاؤهم على انقطاع مصدر الرزق والعائل بالنسبة لهم فهم سيعيشون حياة بئيسة من بعد رحيل ولى أمرهم ، وسرعان ما يغادرون المقابر وكل واحد يمسك بحفنة من التراب كى يهيلها على أهله . أما في جنازة الرجل المعروف صاحب المنصب أو المكانة تجد الناس يلتفون حول قبره يتلون ما تيسر من القرآن وكلٌّ يمسك بمصحف حتى وإن كان أُميًا لا يعرف من القرآن إلا اسمه و رسمه ، نفاقًا ومجاملةً لأهل الميت ويتلون سورة يــس ويتذكرون كل أحاديث النبى ومن جملتها قوله : " اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ"
وحينما يرجع الأهل إلى مكان العزاء " المندرة أو السُرادق " تجد مع صاحب الوجاهة كل الناس صغيرًا وكبيرًا يسلم على المعزيين وكل مَن في السُّرادق وقد يكون الميت لا يمُت لهم بصلة ، أما الفقير حينما يرجع إلى سرادقه ليقيم فيه العزاء لا تجد معه إلا "القارئ وأجهزة مكبرات الصوت تواسيه وآيات القرآن تخفف عن قلبه ،والمنافقون مشغولون بكلب الغنى الذى اصطدم (بعَربة كارو) يملكها فقير أيضًا كى يعنفوه ويكبدوه جُرم ما صنع بل ويحملوه فوق طاقته ويقبلون التعويض هذا إن تسامحوا معه وإن كانت الأخرى فلا يعرفون إلا طريق المركز والشرطة .. نفاق في نفاق
أما في حال الفرح فهذا أمر مضحك جدا :
فإنك تجد في فرح الغنى أو صاحب الجاه كثيرًا من المنافقين منهم مَن يستقبل الضيوف ومنهم مَن يأخذ الضيوف إلى السُّفرة حيث الأكل والشرب ومنهم من يكون ضابط مرور للسيارات والدراجات البخارية ،ومنهم من يكون حريصًا على أن يكون راقصًا على المسرح أو بين الكراسى ليدخل السرور على أهل الفرح ، أما الفقير التعيس لا تجد من يفرح له إلا ملائكة السماء وبعض المخلصين من أهل الأرض من الفقراء أمثاله والطيبين الذين سيحشر معهم في جنة الفقراء
حتى أن الفرح لا يطول فسرعان ما ينطفئ مصباحهم أو تحدث مشكلة تكدر صفوهم أما أصحاب السمو والوجاهة لا تنطفئ مصابيحهم لأن كل معزوم من المنافقين في جيبه شمعة أتى بها فلربما انطفأت المصابيح فهو يضيء الطريق للعروسين كى تتم فرحتهم .
ومما يجعلك تنفجر غيظا حينما ترى منافقا يجلس مع مجموعة من الوجهاء أو المنافقين أمثاله على " مقهى " تجده يسارع لدفع حساب الجميع كى يظهر في مظهر لائق أمام المنافقين أمثاله وفى الوقت نفسه إن طلب منه والده أو والدته شيئًا للبيت لا تسمع إلا ضجيجًا وصراخا وأبشع الشتائم لأبويه وقد نسى قول سيدنا رسول الله " أنتَ ومالُك لأبيك " فهو أراد أن يرضى المنافقين مقابل رضا والديه اللذَين هما سبب وجوده .
وترى في صلة الأرحام أمورا لا تسرُّك فتجد المنافق قد يقطع المسافات ويتحمل وعثاء السفر كى ينافق شخصًا ليزوره في بيته أو يزور مريضًا لديه ، وفى الوقت نفسه تجد له ذا قرابة ملصقا جداره بجدار هذا المنافق ولا يصله بل ومُقاطِع له من سنوات بعيدة والله يقول في شأن صلة الرحم في الحديث القدسى : " من وصلك وصلتُــه ومن قطعك قطعته" .
كل هذا يذكرنى بقول الشاعر :
يمشي الفقـــير وكل شيء ضده***والنــاس تغلق دونه أبوابــــها
وتراه مبغوضاً وليس بمذنب*** ويرى العداوة لا يرى أســـبابها
حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة *** خضعت لديه وحركت أذنابها
وإذا رأت يوماً فقيراً عابراً *** نبحت علـــيه وكشــــرت أنيابها
وكذلك أذكر هذه الأبيات :
إن الغني إذا تكلم مخطئاً * قالوا صدقت وما نطقت محالا
أما الفقير إذا تكلم صادقا * قالوا كذبت وأبـــطـــلوا ما قالا
إن الدراهم في المواطن كلها * تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة * وهي السلاح لمن أراد قتالا
لنعلم يا أحباب أن الله حينما أنزل شرعه الحنيف لم يميز بين فقير أو غنى فكلنا سنموت ونُقبَر في قبورنا ولا أنيس ولا جليس ولا حتى وسادة ننام عليها أو مصباحا نستنير بنوره كلنا سينهال علينا التراب فإما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار ، وفى مناسك الحج كلنا يقف في زى واحد وتلبية واحدة داعين رباً واحدا نؤمن بنبى واحد نتلو كتابا واحدا لا فرق بين هذا وذاك / كلنا سيعرض على ملك الملوك
هذه المفارقات تحدث كثيرا في مجتمعنا ونسينا تعاليم الإسلام ومنهج الله ورسوله الذى رسمه لنا ، نسينا أواصر المحبة بيننا نسينا ما كان بين الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار وما وصلوا إليه من معانى المحبة ، لا بد لنا من وقفة مع أنفسنا ونكون من جملة الصادقين فإن لم نستطع فلنسِر مع أهل الصدق والصادقين من أمة سيد المرسلين كى نتعلم منهم الوفاء والصدق والأخوة الحقيقية في الله ورسوله .
فمهما طالت أعمارنا أو قصرت لابد من الوقوف بين يدى الذى لا يغفل ولا ينام وسيجازى كل واحد منا بما قدم إن خيرًا فخير وإن شراً فشر.
اللهم رُدّنا إلى دينك ردا جميلًا
انتظرونا في باقة جديدة من المقالات الهادفة –بفضل الله تعالى –

ليست هناك تعليقات