مفهوم الحاكمية




بقلم الدكتور. سالم السكري وكيل كلية أصول الدين جامعة الازهر

من المفاهيم التي يجب أن تصحح وخاصة عند جماعات العنف والتطرف مفهـــــــــــــوم ( الحاكمية ) ، ذلك أنهم أساءوا فهمها واستخدامها ، فهي عندهم تعني الألوهية ، ولا تجوز للبشر أياً كان ، أي أنها من أصول الدين ، ومن صلب العقيدة ، وقد ترتب على فهمهم هذا لمعني الحاكمية أن كفروا الحكام بل وعامة المسلمين واستباحوا دمائهم ، واستندوا في ذلك إلي قوله تعالى : " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ " آيه (44) المائدة وهذا في الحقيقة فهم خاطئ لمعنى الحاكمية ، وتأويل فاسد لآيات القرآن ،

 فالحاكمية تعني أن مصدر الأحكام في الشريعة لجميع المكلفين هو الله تعالى وحده ، وقد صرح القرآن بذلك في كثير من آياته ، ومن ذلك قوله تعالى : " إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" آية (40) يوسف ،

 فالمراد بالحكم هنا الحكم التشريعي ، أي ما الحكم في شأن العقائد والعبادات والمعاملات إلا لله تعالى وحده ، وهذا لا ينفي حاكمية البشر ، ولا أن يكون لهم قدر من التشريع في إطار مبادئ الشريعة وقواعدها الكلية، وإلا لأُغلق باب الاجتهاد أمام العلماء الراسخين في العلم ، كيف وقد أقر الرسول معاذ بن جبل على اجتهاده فيما لا نص فيه من قرآن أو سنة ، وذلك حين بعثه إلى اليمن وقال له :" كيف تَقضي إذا عرَضَ لكَ قَضاءٌ؟ قال: أقْضي بكِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قال: فإنْ لمْ تَجِدْ في كِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ؟ قال: فبِسُنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فإنْ لمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ولا في كِتابِ اللهِ؟ قال: أجْتَهِدُ رَأْيي ولا آلُو. ، أي لا أقصر ، قال: فضرَبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صَدْرِه، وقال: الحمْدُ للهِ الَّذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ اللهِ لِمَا يُرْضي رسولَ اللهِ.) رواه أبو داود . والدليل على أن حاكمية الله تعالى لا تنافي حاكمية البشر أن لفظ الحكم أسند إلي الله تعالى تارة – كما سبق ذكره – وأسند إلى البشر تارة أخرى كما في قوله تعالى – في هدي الحج : "فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ" آية (95 ) المائدة ، وكما في قوله : " وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ” آية (35) النساء 

 ، وأما قضية تكفير الحكام استناذاً إلى الآية الكريمة فهي قضية باطلة ، وتأويل فاسد للآية ، وذلك لأن هذه الآية – كما ذكر المفسرون – نزلت في اليهود خاصة ، وقد أطال العلماء فيها الكلام ، ومن ذلك قول عطاء: هو كفر دون كفر ، أي لا يخرج عن الملة ، وقد حذر الرسول أمته من الحكم علي الناس بالكفر ، وذلك في قوله : " أيُّما رجلٍ قالَ لأخيهِ: يا كافِرُ، أي: ناداهُ بالكُ

ليست هناك تعليقات